الصفحة 74 من 176

اذ قال:"... الحصور: الذي لا ياتي النساء، وهو فعول بمعنى مفعول، كانه محصور عنهن، أي ماخوذ محبوس عنهن، واصل الحصر: الحبس، ومثله مما جاء فيه فعول بمعنى مفعول: ركوب بمعنى مركوب، وحلوب بمعنى محلوب، وهيوب بمعنى مهيوب" [1] .

وتابعه في ذلك مكي بن ابي طالب [2] ، وابن الجوزي [3] ، اما اغلب اللغويين والمفسرين فعلى ان (حصورا) في الاية الكريمة فعول بمعنى فاعل [4] ، أي الذي يبالغ في حبس نفسه عن النساء والشهوات لا للعجز بل للعفة والزهد، قال الزمخشري:"... والحصور الذي لا يقرب النساء حصرا لنفسه أي منعا لها من الشهوات" [5] ، وقال البيضاوي:"حصورا: مبالغا في حبس النفس عن الشهوات والملاهي ..." [6] .

والذي يترجح عندي ما ذهب اليه اصحاب الراي الثاني من ان حصورا مبالغة في الفاعل لان هذا المعنى انسب لسياق الاية، ذلك ان الملائكة قد نادت زكريا (عليه السلام) وهو قائم يصلي في المحراب ان الله يبشرك بيحيى (عليه السلام) ، فكيف يمكن ان يمكن ان يبشر بولد ناقص الخلقة؟ وهل يتفق هذا التبشير مع دعوة زكريا (عليه السلام) حين قال:"هُنَالِكَ دَعَا زَكَرِيَّا رَبَّهُ قَالَ رَبِّ هَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً إِنَّكَ سَمِيعُ الدُّعَاءِ- سورة آل عمران/38"، والامر الاخر ان الاية في معرض المدح اذ انبئ زكريا (عليه السلام) بان ولده سيكون سيدا وحصورا ونبيا من الصالحين فكيف تتخلل صفات المدح صفة ذميمة لا فضل له فيها؟!، قال الرازي رادا على من قال بدلالة (حصور) على المفعول:"... وهذا القول عندنا فاسد، لان هذا من صفات النقصان وذكر صفة النقصان في معرض المدح لا يجوز، ولان على هذا التفسير لا يستحق به ثوابا ولا تعظيما، ... وعلى هذا الحصور بمعنى الحاصر فعول بمعنى فاعل" [7] .

فان حمل الراي الاول على اارادة التشبيه أي كانه محصور-وهو الظاهر من قول ابن قتيبة [8] - فلا باس به، لانه عندها سيكون من باب قولهم للذي لا يتكلم رغبة منه عن الكلام اخرس أي كالاخرس الذي لا يتكلم خلقة، فكذلك وصف يحيى (عليه السلام) بانه حصور لشدة تعففه وكبحه لجماح شهواته كانه حصر عنها خلقة لا ارادة واجتهادا.

(1) تفسير غريب القران ص 105.

(2) ينظر تفسير المشكل من غريب القران 49.

(3) ينظر زاد المسير 1/ 383.

(4) ينظر معاني القران للفراء 1/ 213، ونزهة القلوب 73، والتبيان في تفسير القران 2/ 452، والمفردات 120، وارشاد العقل السليم1/ 357، وروح المعاني 3/ 131.

(5) الكشاف 1/ 360.

(6) انوار التنزيل 1/ 158.

(7) التفسير الكبير 8/ 39، وينظر البحر المحيط 2/ 433.

(8) ينظر تفسير غريب القران 105.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت