النُّشُورُ- سورة الملك/15"قال الزمخشري:"المشي في مناكبها مثل لفرط التذليل ومجاوزته الغاية" [1] ، وهذا من المنة العظيمة على الخلق."
وكما رجحنا دلالة (حصور) على المبالغة في الفاعل كذلك نرجح دلالة (لبوس) في قوله تعالى"وَعَلَّمْنَاهُ صَنْعَةَ لَبُوسٍ لَكُمْ لِتُحْصِنَكُمْ مِنْ بَأْسِكُمْ فَهَلْ أَنْتُمْ شَاكِرُونَ- سورة الانبياء/80"على الفاعل لا المفعول، فقد فسر المفسرون (لبوس) بما يلبس في الحرب وبالدرع خاصة [2] ، اما من ناحية دلالته فظاهر قول الزمخشري ان اللبوس كاللباس معنى ودلالة [3] ، وتابعه في ذلك البيضاوي [4] ، في حين صرح ابو حيان بدلالة (لبوس) على الملبوس اذ قال:"... اللبوس الملبوس فعول بمعنى مفعول كالركوب بمعنى المركوب وهو الدرع هنا واللبوس ما يلبس ..." [5] ، وقولهم ان اللبوس كاللباس معنى ودلالة يعني ان (اللبوس) في الاصل مصدر ثم سمي به الملبوس كما هو الحال مع لباس تقول لبس يلبس لباسًا [6] .
ويجوز ان يكون لبوس مبالغة في الفاعل أي شيء ملابس لكم، ويبدو لي-والله اعلم-ان هذا المعنى انسب لسياق الاية، لان الهيئة التي تصمم عليها الدروع تجعلها تلابس الجسم ملابسة محكمة تقيه من باس الاعداء وهذا ما يستوجب معه ان توصف الدروع بانها ملابسة لشدة التصاقها بالجسم، واذا كان الليل قد وصف بانه ملابس ومغطٍ في قوله تعالى:"وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ لِبَاسًا- سورة النبا/10"وهو مجاز لا حقيقة [7] ، فمن الاولى ان توصف الدروع بذلك لملابستها الجسم حقيقة لا مجازا، وهذا التاويل يناسب كونها محصنة من اذى الحرب في قوله تعالى:"لتحصنكم من باسكم"، وهو شيء يستحق ان يسال الله سبحانه وتعالى الناس الشكر عليه اذ قال:"فهل انتم شاكرون".
واللفظ الرابع الذي اختلف فيه بين الدلالة على (الفاعِل) او الدلالة على (المفعول) هو لفظُ (ودود) ، وورد في موضعين من القران الكريم صفةً لله سبحانه وتعالى الأول قوله تعالى"واستغفروا ربكم ثم توبوا اليه إنّ ربّي رحيم ودود - سورة هود /90"والثاني قوله تعالى"إنّه هو يبديءُ ويعيد * وهو الغفور الودود - سورة البروج /13 - 14"وفيه قولان ذكرهما
(1) الكشاف 4/ 580.
(2) ينظر جامع البيان 17/ 54، والتبيان في تفسير القران 7/ 266، وزاد المسير 5/ 373.
(3) ينظر الكشاف 3/ 129.
(4) ينظر انوار التنزيل 2/ 76.
(5) البحر المحيط 6/ 331، وينظر التحرير والتنوير 17/ 121.
(6) ينظر اللسان مادة (لبس) .
(7) ينظر التفسير الكبير 31/ 7.