و ثالثا إن قوله بأن الرواية الرسمية -التي ذكرها هو- أضفت على القانون الذي أنجزه المسلمون الصفة الإلهية ، هو زعم باطل ، لأن علماء أهل السنة فرّقوا منذ البداية بين الشريعة الإلهية المتمثلة في الكتاب و السنة الصحيحة ، و بين اجتهادات العلماء التي كونت فيما بعد المذاهب الفقهية . و هذه المذاهب لم يزعم مؤسسوها بأنه إليهة ، و إنما قالوا صراحة: إنها اجتهاداتهم و آراؤهم ، تحتمل الخطأ و الصواب ، و نهوا الناس عن تقليدهم ، و حثوا أهل العلم على الاجتهاد و طلب الدليل . (1)
و رابعا إن قوله: إن القانون-أي الفقه- أُنجز (( داخل المجتمعات الإسلامية بشكل وضعي كامل ) )، هو قول مبالغ فيه ، و يتضمن خطأ واضحا ، لأن الفقه الإسلامي ليس كله إنتاجا بشريا أنتجه العلماء المسلمون ، و إنما هو يتكون من قسمين: قسم إلهي ، و آخر بشري قام على الإلهي ، فالفقه الإسلامي ليس كله اجتهادات و اختيارات تقوم على الرأي و القياس ، و إنما فيه أصول و أحكام مأخوذة من الشريعة مباشرة ، و هي التي تمثل الجانب الإلهي . و فيه الاجتهادات و الاختيارات التي هي تمثل الجانب البشري من ذلك الفقه . مع العلم أن الفقه الإسلامي لا يمكن أن يشمل الشريعة الإسلامية كلها ، لأنها أوسع منه بكثير .
و أما الخطأ الثالث فزعم فيه أركون أن مبادئ أصول الفقه الأربعة التي حددها الشافعي في كتابه الرسالة ، و هي: القرآن و الحديث، و الإجماع ، و القياس ، ظهرت متأخرة عن القانون (( المدعو إسلاميا ، فأدت هذه المبادئ الأربعة إلى ضبط و تقديس القانون ) ) (2) .
(1) أنظر مثلا: ولي الله الدهلوي:الإنصاف في بيان أسباب الاختلاف ، دار النفائس ، بيروت ، 1983، ص: 27 و ما بعدها
(2) تاريخية الفكر ، ص: 297 .