فهرس الكتاب

الصفحة 228 من 613

و قال أيضا -أي الجابري- إن القياس الفقهي كان من السلطات التي قيدت العقل العربي ، و كان عقبة في طريقه (1) . و قوله هذا غير صحيح على إطلاقه ، لأن القياس الفقهي هو ضرب من ضروب الاجتهاد الذي أجازه الشرع و حث عليه ، فإذا استخدم بطريقة صحيحة ، و بمعنى آخر إذا كان قياسا جليا صحيحا ، فهو وسيلة من وسائل معرفة الأحكام الشرعية ، و إنتاج المعرفة الصحيحة ، و عدم استخدامه يُوقعنا في أخطاء فادحة و مُضحكة ، و الشواهد على ذلك كثيرة ، منها:

إذا قلنا: بما أن الله تعالى حرم على الابن أن ينهر والديه ، فإنه يحرم عليه أيضا لعنهما ، كان هذا قياسا صحيحا ، لكننا إذا أنكرناه نكون قد خالفنا الشرع و العقل ، و أضحكنا الناس علينا .

و الشاهد الثاني هو: إذا قال طبيب لمريض ما: لا تأخذ دم هذا الرجل ، لأنه يحمل مرض الإدز . ثم قلنا نحن: يجب على هذا المريض أن لا يأخذ الدم من أناس آخرين يحملون مرض الإدز . فقياسنا يكون صحيحا خالصا ، أما إذا أنكرناه فنكون قد أخطأنا خطأ فادحا و أضحكنا الناس على عقولنا .

و الشاهد الثالث مفاده أننا إذا قلنا: إن الشرع حرم الخمر و الأنصاب و الأزلام لأنها رجس من عمل الشيطان . ثم قلنا: إن كل شيء ثبُت أنه رجس من عمل الشيطان ، فهو حرام . يكون قياسنا هذا صحيحا ، لكننا إذا قررنا خلافه نكون قد أخطأنا .

و الشاهد الأخير - أي الرابع- هو أننا إذا قلنا: الخمر حُرم لأنه يُذهب العقل و الأموال ، و يُخرّب البيوت ، و يُفسد المجتمع ، و قياسا على ذلك قلنا: إن المخدرات هي أيضا حرام مع أنها لم تذكر في الشرع ، لأنها تفعل ما يفعله الخمر و أكثر من ذلك ، كان قياسنا صحيحا لا شك فيه . لكننا إذا قلنا: إنها حلال أو مباحة بدعوى أنها لم تذكر بعينها في الشرع ، نكون قد أخطأنا ، و خالفنا حكمة الشرع و العقل معا .

(1) بنية العقل ، ص: 567 ، 569 ، 570 .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت