و ثانيا إن قوله الثاني هو نقض لقوله الأول تقريبا ، لأن هناك فرقا كبيرا بين القولين ، و مع ذلك فإن القول الثاني هو أيضا غير صحيح شرعا ، لأن العقل في الحقيقة لا يصح له أن يتقدم على دين الله ، و لا يُساويه ، و لا يُزاحمه ، و لا يكون ندا له ، و لا يقوم بدوره ، فالإسلام هو وحده مصدر الأخلاق ، أصولا و فروعا . و أما العقل فليس مصدرا للتشريع في الإسلام ، و إذا مارسه فيكون اجتهادا ، و هو مبدأ أجازه الشرع و حث عليه في مجاله المناسب ، بأن يكون قائما على أساس من الشرع و غاياته و مقاصده ، و بذلك يكون دين الإسلام هو أساس الأخلاق تشريعا و اجتهادا . و هذا ليس تضييقا على العقل ، و لا طعنا فيه ، و إنما هو الوضع الصحيح الذي اختاره الله تعالى للعقل ، الذي مجاله الحقيقي فهم النصوص ،و الاجتهاد في العبادات ، و الدعوة إلى الله تعالى ، و السعي لاكتشاف قوانين الطبيعة و تسخيرها لخير البشرية ، قال تعالى: - {وَسَخَّرَ لَكُم مَّا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مِّنْهُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لَّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ} سورة الجاثية/13- .