فهرس الكتاب

الصفحة 245 من 613

و قوله هذا كأقواله السابقة يندرج في خانة التغليط و الاحتيال على الشرع و العقل معا ، لأن قدرة العقل على التمييز بين كثير من أنواع الحُسن و القبح بالبديهة ، لا يعني بالضرورة ما ادعاه الجابري من أن الشرع يقتضي بأن يكون العقل أساسا للأخلاق ؛ لأنه يجب الرجوع إلى الشرع نفسه ، لمعرفة ما يطلبه منا و يأمرنا به. و نحن إذا رجعنا إليه وجدناه يُعلن صراحة بأن الله تعالى أعطى للإنسان عقلا ليميز به بين الخير و الشر ، و بين الإيمان و الكفر ، و بين الجنة و النار ، كل ذلك لكي يؤمن هذا الإنسان بربه حق الإيمان ، و يعبده العبودية الصحيحة ، و يلتزم بشرعه في كل جوانب الحياة ، و { مَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ ، مَا أُرِيدُ مِنْهُم مِّن رِّزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَن يُطْعِمُونِ، إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ } - سورة الذاريات56-58- ، و {قُلْ إِنَّ صَلاَتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ} - سورة الأنعام/162-، و {وَالْعَصْرِ ،إِنَّ الْإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ ،إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ} -سورة العصر/1-3، فالله تعالى أعطى للإنسان العقل ليس ليتخذه مُشرعا و إلها ، و لا ليكون ندا و مزاحما منافسا له ، و لا ليتقدم عليه ، و إنما أعطاه العقل ليكون عبدا عاقلا مؤمنا بربه مطيعا له ظاهرا و باطنا ، في عقائده و أخلاقه ، و سياسته و اقتصاده ، وفي كل أحواله . و بناء على ذلك فإن ما زعمه الجابري من أن مبدأ العقل أساس الأخلاق هو من مقتضيات الشرع ، هو زعم باطل ، صوابه هو: إن من مقتضيات الشرع نقض دعوى الجابري و إبطالها .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت