فهرس الكتاب

الصفحة 276 من 613

و أما الشبهة الثانية فإن الجابري خلّط فيها حقا و باطلا ، و ناقض فيها نفسه بما قاله في الشبهتين ، و مفادها أنه قال-لتوضيح شبهة الجهم-: (( إذا كان الله يعلم ما سيفعله الأمويون قبل أن يخلقهم ،و قبل أن يغتصبوا الحكم بالقوة ، فإننا سنكون أمام احتمالين: إما أن علمه سيبقى كما كان عندما هاجموا الكعبة مثلا ، و في هذه الحالة إما أن نقول: إن الله هو الذي أراد منهم ذلك قبل أن يفعلوه ، فيكون هو الذي حتمه عليهم ، و هذا غير معقول و لا يجوز . و إما أن يكونوا قد فعلوا ما فعلوا من تلقاء أنفسهم و بمحض إرادتهم ، و في هذه الحالة نتساءل: هل علم الله هذا الذي فعلوه أم لا ؟ ،فإذا علمه فسيكون علما مُضافا إلى علمه السابق ، و هذا لا يجوز لأن علمه كامل لا يحتمل الإضافة ، و أما إذا قلنا: إنه لم يعلمه ، فإننا سنكون قد أضفنا إليه الجهل . و إذًا فالحل المعقول الذي لا يجر إلى تناقضات و نقائض مثل تلك ، هو أن نقول: إن الله خلق العالم بما فيه الإنسان ، و أن الأمور تجري في العالم حسب سنن و قوانين ، قدرها تقديرا ، كحركة الفلك مثلا . أماالإنسان فقد خلق له أو فيه ، قدرة بها يعقل ، و إرادة و اختيارا ؛ وأكثر من ذلك بيّن له بواسطة الرسل و عن طريق العقل سبيل الخير و سبيل الشر ، و الإنسان هو الذي يختار هذه أو تلك ، فيفعل هذا أو ذاك ، هنا حين الفعل يتدخل علم الله ليحكم بالحسن أو القبح ، بالثواب أو بالعقاب ) ) (1) .

(1) العقل السياسي ، ص: 272 .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت