و الخطأ الأخير -السادس من المجموعة الثانية- ، يتعلق بمسألة تقبيح العقل للأشياء و تحسينها ، فذكر الجابري أن المعتزلة قالوا بقدرة العقل على التحسين و التقبيح ، و توسع في شرح موقفهم ، ثم قال: (( و أما أهل السنة فقد كانت آراؤهم في هذه المسألة و في غيرها ، عبارة عن ردود صريحة أو ضمنية على أراء المعتزلة ) )، ثم ذكر أن الأشاعرة قالوا خلاف ما ذهب إليه المعتزلة ، بمعنى أنه لا مجال للعقل في التقبيح و التحسين ،و إنما ذلك للنقل وحده (1) .
و قوله هذا يتضمن خطأين يتمثلان في التعميم و الإغفال ، فأما التعميم فإنه ذكر أهل السنة عامة دون تفريق بينهم ، لأن أهل السنة ليسوا على رأي واحد في مسألة التحسين و التقبيح ، فمنهم من قال بأن العقل يُحسّن و يُقبّح ، و منهم من خالف ذلك (2) . و أما الإغفال فإنه-أي الجابري- أغفل الطائفة السنية التي قالت بالتحسين و التقبيح العقليين من جهة ، و ذكر الطائفة السنية الأخرى التي قالت بعكس ذلك ، كالأشاعرة و من وافقهم من المذاهب السنية الأربعة من جهة ثانية . و الذين أغفلهم هم أهل الحديث و من وافقهم من المالكية و الشافعية و الحنابلة (3) .، الذين قالوا بالتحسين و التقبيح العقليين ، كأبي بكر القفال ،و أبي علي بن أبي هريرة الشافعيين ، و أبي الحسن التميمي ،و أبي الخطاب الكلوذاني ، و ابن تيمية ، و ابن القيم ،و هم من الحنابلة (4) .
(1) العقل الأخلاقي ، ص: 114 و ما بعدها .
(2) ابن تيمية: مجموع الفتاوى ، ج 8 ص: 90 .
(3) نفسه ، ج 8 ص: 90 .
(4) ابن تيمية: منهاج السنة ج 1 ص: 144 . و مجموع الفتاوى ، ج 8 ص: 90 . و ابن قيم الجوزية: الصواعق المرسلة ، ج 4 ص: 1450 .