و ثانيا إنه ليس الفقهاء فقط هم الذين كانوا حراسا للدول القائمة خلال العصر الإسلامي ، و إنما كثيرا من الفلاسفة هم أيضا كانوا حراسا للدول التي عاصروها أو عاشوا في كنفها ، فخدموها و دعّموها ،و استفادوا منها في نشر الفلسفة و التمكين لها ، منهم: الفلاسفة الذين تولوا ترجمة العلوم القديمة إلى اللغة العربية زمن الدولة العباسية ، كيوحنا بن ماسويه ، و حنين بن إسحاق ، و إسحاق بن حنين ، و ثابت بن قرة الصابئ ،و يحيى بن البطريق (1) . و منهم أيضا: يعقوب الكندي، و الوزير أبو الفضل بن العميد (ت360ه) ،و الشاعر الضال ابن هانئ الأندلسي (ت362ه) ، و أبو علي بن سينا (ت428ه) ،و ابن رشد الحفيد (ت595ه) ، و قاضي القضاة رافع الدين الجيلي (ت642ه) (2) .
و ثالثا إن الفلسفة التي دافع عنها أركون لم تكن كما زعم ، فقد كان الغالب عليها الضلال و الانحلال و السلبية ، بمنطقها الأرسطي العقيم، و إلهياتها الظنية المخالفة للشرع و العقل معا، كقولها بأزلية الكون ، و نفيها للصفات الإلهية ،و قولها بالعقل الفعال و العقول العشرة (3) . فأصبحت هذه الفلسفة خطرا على الإسلام و المسلمين،و العقل و العلم معا ، مما حتّم على علماء الإسلام التصدي لها ، لأنقاذ الدين و العقل و العلم ، من براثن هذه الفلسفة الخُرافية العقيمة المدمرة للفرد و المجتمع فكرا و سلوكا . هذه الفلسفة هي التي دافع عنها أركون و زعم أنها كانت تمارس النقد و التأمل الفلسفي ! .
(1) ابن النديم: الفهرسـ ج 1 ص: 139 . و ابن أبي أصيبعة: عيون الأنباء في طبقات الأطباء ، حققه نزار رضا ، دار مكتبة الحياة ،بيروت ، د ت ، ص: 226 ، 295 .
(2) الذهبي: السير ، ج 16 ص: 137 . و العبر في خبر من غبر ، ج 2 ص: 334 ، 335 . و ابن النديم: الفهرست ، ج1 ص: 358 . و ابن العماد الحنبلي: شذرات الذهب ، ج 4 ص: 318، ج 5 ص: 134 .
(3) سيأتي توثيق ذلك عندما نتكلم عن أخطاء الجابري المتعلقة بالفلسفة .