و أما الخطأ الثاني فمفاده أن أركون زعم أن الدراسات النقدية الفلسفية و الاجتماعية التفكيكية الحديثة ، قضت على الفكرة القديمة التي تُؤمّن قاعدة دينية أو عقلانية للأشياء تُؤمن للإنسان طمأنينته . ثم ادعى أنه بناء على الظروف الحالية التي نعيشها ، في ظل النزعة المادية النفعية التي تتحكم بأنظمة القيم غير المستقرة، أصبح يستحيل (( علينا الآن أن نؤسس لاهوتا معينا ، أو فلسفة مُعينة ، أو أخلاقا معينة ، أو سياسة معينة على قاعدة العهد الأنطلوجي الثابت الدائم ) ) (1) .
و ردا عليه أقول: إنه صحيح بأن كثيرا من الأبحاث العلمية أثبتت على مستوى الطبيعة و الإنسان ، بطلان كثير من العقائد و المذاهب و الأفكار القديمة منها و الجديدة ، لكنها لم تقض على كل ما كان يعتقده الإنسان ، من عقائد و أفكار . كما أنها- أي الأبحاث العلمية الحديثة- أثبتت حقائق علمية كثيرة كانت في خدمة الدين و دعمته بقوة ، كإثبات حدوث الكون ، و إمكانية نهايته (2) . و أثبتت أيضا الإعجاز العلمي الباهر في القرآن الكريم ،و صحة ما جاء فيه من حقائق في مختلف العلوم الحديثة (3) .
كما أنها -أي الأبحاث الحديثة- و إن كانت قد وجهت ضربات قوية و دامغة للأديان الباطلة و المحرفة ، فإنها مع ذلك لم تقض عليها على مستوى الممارسة العملية ، فهي ما تزال قائمة ، و تُؤدي وظيفتها في مجتمعاتها ، و ما تزال توفر الطمأنينة لمعتنقيها ، و هم يُضحون من أجلها ،و يموتون في سبيلها ، كحال اليهود و النصاري و الهندوس .
(1) معارك من أجل الأنسنة ، ص: 36 .
(2) أنظر مثلا: عبد الحميد سماحة: في أعماق الفضاء ، دار الشروق ، القاهرة ، 1980، ص:71 و ما بعدها ، 84 و ما بعدها .
(3) أنظر مثلا: موريس بوكاي: دراسة الكتب المقدسة على ضوء العلوم الحديثة .