و مما يُؤكد ما قلناه أن الجابري نفسه اعترف بذلك عندما قال: إن كلا من البيان السني ، و العرفان الشيعي و الصوفي ، تأسسا معا باعتماد (( القرآن و الحديث أولا و قبل كل شيء ) ) (1) . فاللغة واحدة ،و المصدر واحد أيضا ، لكن النظامين مختلفين اختلافا كبيرا باعتراف الجابري نفسه (2) .
و أما زعم الجابري بأن نظام البيان استوحى فكره من لغة العرب و بيئتهم الصحراوية (3) . فذلك لا يصدق على علوم الإسلام ، و لا يصدق على العلوم الأخرى إلا جزئيا ، فبالنسبة لعلوم الإسلام ، فإن مصدرها هو القرآن الكريم ، و هو قد تجاوز بلغته الظروف الطبيعية و الاجتماعية و الاقتصادية الصحراوية ، تجاوزها بلغته و مواضيعه المتنوعة التي تناولها ،و التي تتعلق بالعقائد و الأخلاق ، و الشرائع و التاريخ ، و المفاهيم و التصورات ،و الطبيعيات و الإلهيات ، فلغة القرآن تجاوزت لغة الصحراء ، فهي لغة دين وعلوم و حضارة . و أما بالنسبة للفقه و علوم اللغة ، فهي لا تجد مصدريتها اللغوية النهائية و الأساسية إلا في القرآن الكريم أولا ثم في السنة النبوية الصحيحة ثانيا ، و في كلام العرب ثالثا .
(1) بنية العقل ، ص: 415 .
(2) أنظر ما كتبه الجابري عن نظامي البيان و العرفان في كتابيه: تكوين العقل العربي ،و بنية العقل العربي .
(3) بنية العقل ، ص: 242 .