فهرس الكتاب

الصفحة 331 من 613

و ثانيا إن الأمثلة على صحة ما قلناه ، و على خطأ ما ذهب إليه الجابري ، هي كثيرة جدا ، منها: إن العرب في الجاهلية كانت اللغة العربية من أهم الروابط التي تجمعهم ، لكنهم مع ذلك كانوا مختلفين في عقائدهم ، فكان فيهم: الوثني ، و اليهودي ، و النصراني ، و الدهري . و منها إن الناس في العصر الإسلامي كانت اللغة العربية هي السائدة بينهم ، لكنهم كانوا منقسمين في عقائهم و مذاهبهم ، فمع غلبة الإسلام عليهم ، فقد كان فيهم اليهود ، و النصارى ، و المجوس ، و الصابئة ، و الهندوس . و أما على مستوى المذاهب بين المسلمين ، فقد كانوا منقسمين إلى عشرات المذاهب على مستوى الأصول و الفروع ، و قد ذكرتهم كتب المقالات و الملل و النحل بالتفصيل .

ومنها أيضا حال دولة لبنان المعاصرة ، فهي مع أنها دولة عربية ، و اللغة العربية فيها هي لغة البلد ،فإن مجتمعها مُجتمع مُتعدد الأديان و المذاهب و الطوائف ، كثير الفتن و الصراعات و المتناقضات . فأين دور اللغة المزعوم في تحديد نظرة الإنسان إلى الله و الكون ،و الحياة و الإنسان في دولة لبنان ؟ ! .

و أما استشهاد الجابري ببعض الدراسات الحديثة ، فيما ذهب إليه ، فهي دراسات غير موفقة فيما ذهبت إليه ،و مبالغة فيما قالته ، لأننا لا نترك حقائق الواقع الدامغة المُشاهدة ، و نتبع تلك الدراسات التي بدو أنها كانت مدفوعة بخلفيات مذهبية عرقية قومية ، عنصرية متعصبة ، مما أوصلها إلى المبالغة بتحويل الحبة الصغيرة إلى قبة كبيرة .

و أما المثال الثاني فقال فيه الجابري: إن اللغة ليست مجرد أداة للفكر ، بل هي أيضا قالب له . ثم ذكر قولا للباحث الألماني هردر (ت1803م ) ، يقول فيه: (( إن كل أمة تتكلم كما تفكر ، و تفكر كما تتكلم ) ) (1) .

(1) تكوين العقل العربي ، ص: 73 .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت