فهرس الكتاب

الصفحة 332 من 613

و ردا عليه أقول: أولا صحيح أن الإنسان يتفاعل مع لغته تأثيرا و تأثرا في مجال محدود ، لكنها مع ذلك تبقى في الأصل أنها مجرد وسيلة للفكر و التفاهم بين الناس ، و آية من آيات الله تعالى ، لقوله سبحانه: {وَمَا أَرْسَلْنَا مِن رَّسُولٍ إِلاَّ بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ فَيُضِلُّ اللّهُ مَن يَشَاء وَيَهْدِي مَن يَشَاء وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ } (4) سورة إبراهيم ، و {وَمِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافُ أَلْسِنَتِكُمْ وَأَلْوَانِكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِّلْعَالِمِينَ} - سورة الروم/22-، فذلك هو دورها ، و لا دخل لها في تحديد نظرة الإنسان إلى الله و الكون ،و الحياة و الإنسان ،و ما يترتب عن ذلك من سلوكيات ، و هذا أمر سبقت البرهنة عليه .

و ثانيا إن قول الألماني هردر ليس صحيحا ، و الصواب هو: إن الإنسان يُفكر بناء على ما يعتقده ،و يتكلم بناء على ما يعتقده أيضا ،وليس بناء على لغته التي يتكلم بها. لأن ما يعتقد الإنسان هو الذي يتحكم في سلوكياته: تفكيرا ،و عملا ، و تكلما ،و ليست اللغة هي التي تتحكم في ذلك . و الدليل على ذلك أن هناك أمثلة كثيرة ، تُثبت وجود وحدة في التفكير و التصورات و العقائد ، مع تعدد اللغات . كما أنها تُثبت أيضا وجود اختلاف في التفكير و التصورات و العقائد ، مع وحدة اللغة . فأمة الإسلام-مثلا- لغاتها متعددة ،و عقائدها و تصوراتها ، و عباداتها و أخلاقها واحدة . و أمة العرب لسانها واحد ،و أديانها و مذاهبها متعددة و متناقضة .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت