و أما الذين قالوا بأن اللغة هي التي تحدد تفكير الإنسان في نظرته إلى الله و الكون ، و الإنسان و الحياة ، و أنه يُفكر انطلاقا منها ، فسبب ذلك ليس لأن اللغة تفعل ذلك في الواقع ، و حددت لهم عقائدهم و تصوراتهم ، و إنما هم الذين اعتقدوا أنها تفعل ذلك . فأخرجوا اللغة من كونها وسيلة إلى عقيدة ، تتحكم-حسب زعمهم- في تصوراتهم و عقائدهم ، فعبدوها و قدّسوها ، و ضحوا من أجلها ، فصدق عليهم قوله تعالى: {أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ وَخَتَمَ عَلَى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلَى بَصَرِهِ غِشَاوَةً فَمَن يَهْدِيهِ مِن بَعْدِ اللَّهِ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ} - سورة الجاثية/23- . و الدليل المادي على أنهم يعبدون أهواءهم و أنهم على خطأ فيما ذهبوا إليه ، هو أن الذين يُخالفوهم في ذلك لم يقولوا بقولهم ، و تصدوا للرد عليهم ، فلو كانت اللغة هي التي تتحكم في تفكيرهم و عقائدهم لقالوا بقولهم ، و ما ردوا عليهم . و بناء على ذلك فإن مقدسي اللغة ليست اللغة بذاتها هي التي جعلتهم يقولون بما ذهبوا إليه ، و إنما مُعتقدهم فيها هو الذي أوصلهم إلى ذلك القول .
و أما الخطأ الأخير -الخامس من المجموعة الثانية- فيتمثل في استخدام الجابري لمصطلحات غير دقيقة تحتمل أكثر من معنى ، و فيها تمويه و إيهام بالنقص ، و تغليط في الفهم ، كان فيها على الجابري أن يتفادى ذلك باستخدام المصطلحات في مكانها المناسب بدقة ، قمن ذلك ، قوله: التيارات الباطنية في الإسلام (1) . فقوله هذا يعني أن في دين الإسلام تيارات باطنية ، و هذا غير صحيح تماما ، لأن الإسلام لا توجد فيه باطنية أصلا . و الجابري أراد أن يقول: التيارات الباطنية في التاريخ الإسلامي ، أو في تاريخ الإسلام ، أو في العصر الإسلامي .
(1) تكوين العقل ، ص: 157 .