و أما الخطأ الأخير -أي الخامس- فيتمثل في أن الجابري كثيرا ما أثار شبهات ، و ذكر أخطاء ، و سكت عنها من دون تنبيه إليها ، و لا رد ، و لا تحقيق لها . من ذلك أنه ذكر كلاما مطولا لأرسطو عن السماء ، تضمن أخطاء كثيرة (1) ، سكت عنها الجابري ، فلم ينتقده فيها ، و لا نبّه إليها (2) .
و منها أنه عرض شبهات و أوهام و أباطيل الفقيه الإسماعيلي القاضي النعمان (ت351أو363ه) ، في ردوده المزعومة على أهل السنة ، و لم يرد عليه و لا شكك في مزاعمه ، بل أنه صوّبها و أقرها عندما قال عن النعمان: (( فإنه في نقضه أصول أهل السنة ، في كتابه اختلاف المذاهب ) ) (3) . و كلامه هذا باطل من أساسه ، فإن الرجل لم ينقض أصلا واجدا من أصول أهل السنة ، و كل ما فعله أنه أثار الشبهات و المغالطات ، و التدليسات ، و جاء بالأكاذيب من المرويات ، رأى فيها الجابري نقضا لأصول السنيين !! ، و سنرد على تلك الأباطيل و المزاعم و ننفضها ، في الفصل الثاني إن شاء الله تعالى .
و منها أيضا إنه-أي الجابري - عرض فلسفة أبي نصر الفارابي في العلاقة بين الإسلام و الفلسفة ، و سكت عن أخطائه ، و أوهامه في هذا الموضوع الحساس (4) .و تعرّض لموقف المعتزلة و القدرية من بعض مسائل أصول الدين ، فشرحها و نوّه بها ، و سكت عن أخطائهم من دون أي انتقاد لهم (5) . و سنتطرق إلى بعض ذلك في موضع لاحق من الفصل الثاني إن شاء الله تعالى .
(1) سنذكر بعضها في الفصل الثاني ، إن شاء الله تعالى .
(2) أنظر: بنية العقل العربي ، ص: 407 و ما بعدها .
(3) نفس المرجع ، ص: 321 و ما بعدها .
(4) انظر: نفس المرجع ، ص: 424، 425 . و تكوين العقل العربي ، ص: 242 .
(5) العقل السياسي العربي ، ص: 275 ، 279 .
و هذه الطريقة التي مارسها الجابري ، هي -بلا شك- من نقائص الكتابة العلمية الموضوعية ، و طعن فيها . كما أنها تروّج للشكوك و الشبهات و الأخطاء ، و تبلبل أفكار القراء ، و تفتن بعضهم ، و لا تقدم لهم حلولا . و إذا أضفنا إليها الأخطاء المنهجية التي سجلناها على الجابري سابقا ، يتبين من كل ذلك أن منهجيته في الكتابة العلمية ، كانت كثيرة الأخطاء و النقائص ، الأمر انعكس سلبا على إنتاجه العلمي شكلا و مضمونا .