فهرس الكتاب

الصفحة 374 من 613

و أما قوله بأن الوثائق التي تُفيد في عمل تاريخ نقدي للنص القرآني قد دُمرت باسمرار (1) . فهو قول مبالغ فيه جدا ، و فيه خطأ كبير ، لأنه لا توجد أية وثائق ذات قيمة إلا المصاحف التي أمر عثمان بإحراقها ، و هذه المصاحف التي أمر بإحراقها كانت للصحابة ، و لا تختلف مطلقا عن المصحف الإمام في محتواها ، لأن مصدرها واحد هو رسول الله -صلى الله عليه و سلم- ، فأخذوا عنه القرآن حفظا و كتابة و قراءة . و إنما الذي كان حادثا هو أن بعض الصحابة كانت لهم شروح لبعض الآيات كتبوها في مصاحفهم للشرح فقط ، و ليس إدخالا لها في متن القرآن لأنه كان محفوظا مُميزا لديهم لا يختلط عليهم ، كما أنه حدثت اختلافات بين المسلمين في القراءات من حيث الشكل و التنقيط و النطق (2) ، مما استدعي تدخل الخليفة عثمان لوضح حل للمشكل ، فوحد المصحف رسما و قراءة ، و قد وافقه على ذلك الصحابة و استجابوا له عندما أمرهم بحرق المصاحف . و لو كان المصحف الإمام يخالف مصاحفهم ما استجابوا له ، و لخالفوه و تحدوه ، و بما أنهم ما فعلوا ذلك ، دل الأمر-قطعا- على أن القرآن كان واحدا بينهم ، و أن المصاحف التي أحرقت لم تكن تختلف عن المصحف الإمام مُطلقا . لكن أن أركون يترك الروايات الصحيحة الواضحة ،و يتعلق بالأوهام و الظنون و الشكوك و الشبهات و يُثيرها بلا دليل من العقل و لا من التاريخ .

و أُشير هنا إلى أمر هام جدا ، مفاده أن عملية توحيد المصحف زمن عثمان -رضي الله عنه-تمت في ظروف اجتماعية و سياسية عادية حسنة للغاية ، بموافقة من الصحابة و برضى من المسلمين ،و بأمر من الدولة و بإشراف منها ،و بتدوين من لجنة مُختارة متخصصة تولت نسخ المصحف الإمام ، و عملها هذا لم يكن تدميرا للنص القرآني كما زعم أركون ،و إنما هو عملية نسخ و نقل و حفظ للمصحف الإمام .

(1) الفكر الإسلامي ، ص: 126 .

(2) صبحي الصالح: المرجع السابق ، ص: 79 ، 85 ، 255 و ما بعدها .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت