فهرس الكتاب
و أما الخطأ الخامس فيتعلق بزعم أركون بأن للقرآن مرحلتين ، الأولى شفوية زمن النبي ،و الثانية مكتوبة مغلقة ناجزة نهائية تمت زمن التدوين الرسمي (1) . و زعمه باطل من أساسه ، يتضمن تغليطا و تحريفا للتاريخ ، لأن القرآن الكريم لم تكن له إلا مرحلة واحدة فقط ، كان فيها محفوظا في الصدور ، و مكتوبا في السطور ، و مفتوحا و مُغلقا بيد الرسول-عليه الصلاة و السلام - ، و أما جمعه زمن أبي بكر ، و توحيده زمن عثمان ، فهو عمل لا يُمثل مرحلة جديدة ، و إنما عمل شكلي تنظيمي تكميلي للمرحلة الأولي .و الأدلة على كلامنا هذا سبق أن ذكرناها فلا نعيدها هنا .
و زعم أيضا أن النص القرآني الشفوي دُوّن كتابة في ظروف تاريخية لم (( تُوضّح حتى الآن ، و لم يُكشف عنها النقاب ) ) (2) . و زعمه هذا وهم و خيال ، و افتراء مُتعمد ، لأن القرآن الكريم له مرحلة واحدة كان فيها محفوظا و مدونا زمن رسول الله -عليه الصلاة و السلام- ، و تاريخه معروف ثابت موثق في ظروف عادية للغاية ، ذكرنا طرفا منها ، و هي موجودة في الكتب المتحصصة بعلوم القرآن و تاريخه ، علما بأن القرآن الكريم هو أول و أهم مصدر لتاريخ القرآن ، فالقرآن يُؤرخ لنفسه ،و يحمل تاريخه في ذاته ، ثم تأتي بعده السنة النبوية الصحيحة الموافقة له ، ثم تأتي فيما بعد مصادر ثانوية أخرى .
و أركون يتعمد إثارة الشكوك و الشبهات ليُروّج لها و يبنى عليها أوهامه ، انطلاقا من خلفياته المذهبية للوصول إلى أهداف مُسطرة سلفا ، كمقارنته بين الأناجيل و القرآن ، فقال إنه إذا كانت الأناجيل دٌُونت فيما بين 70 - 100 سنة ، من موت المسيح ، فإن القرآن أيضا له مرحلة شفوية عندما دًوّن بعد 30 سنة حسب التراث المعروف على حد زعمه (3) .
(1) الفكر الأصولي، ص: 131 ، 205 ، 337 .
(2) نفس المرجع ، ص: 41 .
(3) تاريخية الفكر العربي ص: 173 .