و قوله هذا فيه مغالطة ، و جهل-أو تجاهل- بمنهج النقد الحديثي عند نُقاد الحديث ، بدليل ما يأتي: أولا إن صحة الحديث عند المحدثين لا تثبت لمجرد وجود الإسناد ، و إنما وجود الإسناد المتصل ، هو شرط من شروط صحة الحديث ، ثم يُخضع هذا الإسناد لعملية النقد جرحا و تعديلا ، و هي عملية متشعبة و معقدة ، تقوم على أسس منطقية (1) صحيحة (2) . و عليه فإن وجود الإسناد لا يعني صحة الحديث ، كما أوهم بذلك أركون ، و إنما يسمح لنا بممارسة النقد و التمحيص ، وفق منهجية الجرح و التعديل .
و ثانيا إن قوله يُوحي بأن الإسناد هو أساس صحة الحديث عند المحدثين ، و هذا غير صحيح ، و افتراء عليهم ، لأن النقد عندهم يشمل الأسانيد و المتون معا . كما أن صحة الإسناد لا تعني بالضرورة صحة المتن ، و صحة المتن لا تعني بالضرورة صحة الإسناد ، فالحديث لكي يُقبل في علم مصطلح الحديث لا بد أن يصح إسنادا و متنا ، وفق منهج نقد الخبر عند المحدثين (3) .
(1) سنذكرها قريبا ، إن شاء الله تعالى .
(2) أنظر: محمد محمود الطحان: أصول التخريج و دراسة الأسانيد ، ط 3، مكتبة المعارف ، الرياض، 1996 ، ص: 137 ، و ما بعدها ، و 181 ، و ما بعدها . و محمد عجاج الخطيب: السنة قبل التدوين ، ط 1 ، مكتبة وهبة ، مصر ، 1963 ، ص: 239 ، و ما بعدها .
(3) أنظر: عجاج الخطيب: نفس المرجع ، ص: 239 و ما بعدها . و ابن قيم الجوزية: المنار المنيف ، حققه عبد الرحمن المعلمي، دار العاصمة ، الرياض، 1998 ، 35 و ما بعدها ، و 42 و ما بعدها . و المنذري: الترغيب و الترهيب ،ط1، دار الكتب العلمية، بيروت1417، ج 1 ، ص: 245 ، 282 ، و ج4 ص: 250 . و النووي: شرح النووي على صحيح مسلم ، ط2، دار إحياء التراث العربي، 1392، ج 1 ص: 47 . و ابن الصلاح: مقدمة ابن الصلاح في علوم الحديث ، ط1 ، دار الفارابي، د م ن ، 1984 ، ص: 59 .