و أما الموقف الثاني فعبّر عنه بقوله: كانت الرؤية الخيالية للتاريخ ذات (( هيمنة واضحة لدى الكُتاب الأوائل ، من مثل الواقدي ، و أبي مخنف ، و ابن إسحاق ، و ابن عبد الحكم ... وصولا حتى الطبري ، إن رد الفعل العقلاني الأكثر وضوحا على هذه الرؤية الخيالية ، تبتدئ لدى مسكويه ، لكن أخلافه لم يُمارسوا منهجيته ، بنفس الدقة ، حتى مجيء ابن خلدون ) ) (1) .
و قوله هذا غير صحيح في معظم جوانبه ، و يحمل نظرة ناقصة عن منهج نقد الخبر عند المسلمين ،لأنه أولا إذا كانت الرؤية الخيالية للتاريخ موجودة لدى كثير من المؤرخين الأوائل ، و هذا معروف عند النقاد ، فإنها لم تكن وحدها هي السائدة ، فقد وُجدت إلى جانبها النظرة الحقيقية و الصحيحة للتاريخ ، فكانت النظرتان تضيقان و تتسعان من مؤرخ إلى آخر ، حسب خلفياتهم العلمية و المذهبية و السياسية ، و المصلحية (2) . و هذه النظرة المزدوجة للتاريخ ، ما تزال موجودة إلى يومنا هذا لدي كثير من المؤرخين و الباحثين ، منهم محمد أركون ، فإن في دراساته الإسلامية ، كثيرا من الخيالات و الظنون ، و الأهواء و الخرافات ، و سنبين ذلك بالأدلة الدامغة ، في مواضع لاحقة من الفصول الآتية ، إن شاء الله تعالى .
(1) تاريخية الفكر العربي الإسلامي ، ص: 27 .
(2) لمعرفة طائفة من هؤلاء الخياليين ، أنظر كتابنا: مدرسة الكذابين ، في رواية التاريخ الإسلامي و تدوينه .