فهرس الكتاب

الصفحة 41 من 613

و ثانيا فإن المؤرخ الطبري ( ت309ه ) يختلف كثيرا عن محمد بن عمر الواقدي ، و أبي مخنف لوط بن يحيى ، و محمد بن إسحاق ، فإنه كان عالما ناقدا متبحرا في علوم الشريعة و التاريخ ، و لم يكن خياليا في تاريخه . و الأخبار الخيالية و المكذوبة التي أوردها في تاريخه ، ذكرها لأنه تبنى منهجا تدوينيا أقامه على أساس الحياد العلمي السلبي ، فدوّن في تاريخه أخبار كل الطوائف ، على اختلافاتها و تناقضاتها ، بلا تحقيق ، و لا نقد ، ولا تمحيص ، إلا في القليل النادر ، و هذا أمر صرّح به الطبري في مقدمة تاريخه . فهو لم يكن جاهلا بمنهج النقد التاريخي ، و لا عاجزا عن تطبيقه ، و لا كان واقعا تحت تأثير النظرة الخيالية للتاريخ (1) .

و ثانيا إن منهج نقد الخبر كان قد نشأ و تقعّد قبل المؤرخ أبي علي مسكويه المُتوفى سنة 421ه ، و قد مارسه كبار نقاد الحديث في القرن الثالث الهجري ، كأحمد بن حنبل ، و يحيى بن معين ، و البخاري ، و مسلم ، و أبي داود السجستاني ، و غيرهم كثير ، و هؤلاء كانت نظرتهم للتاريخ نظرة شرعية واقعية علمية ، و لم تكن خيالية أبدا ، و كانوا أصحاب منهج نقدي ، مارسوه بدرجات مختلفة ، في تحقيق الحديث النبوي ، و كثير من الأخبار المتعلقة بالصحابة- رضي الله عنهم- ، فأثمرت جهودهم تأسيس علم مصطلح الحديث ،- أي منهج نقد الخبر -، و تدوين المصنفات الحديثية الكبرى ، كالصحيحين ، و السنن ، و المساند ، فمارس هؤلاء منهجهم من خلال مصنفاتهم ، مع العلم أن أصول منهج نقد الخبر هي موجودة صراحة في القرآن الكريم ،و هو الذي أصله قبل أن يبدأ المسلمون في الكتابة الحديثية و التاريخية: تدوينا ، و تقعيدا ، و تحقيقا (2) .

(1) سنعود إلى مقدمة الطبري التاريخية قريبا ، من هذا المبحث .

(2) أنظر كتابنا: أخطاء المؤرخ ابن خلدون في كتابه المقدمة ، دار الإمام مالك ، الجزائر ، 2055 ، ص: 59 .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت