و رابعا إن أركون أغفل كبار النقاد من المحدثين و المؤرخين عاشوا في الفترة الممتدة من وفاة مسكويه (ت421ه ) ، إلى وفاة ابن خلدون سنة 808ه ، كانت نظرتهم إلى التاريخ شرعية واقعية علمية نقدية ، و ليست خيالية ، و كانوا نقادا محققين ، لهم دراية واسعة بمنهج نقد الخبر ، الذي أرسى قواعده نقاد الحديث المتقدمين ، فزاده المتأخرون إثراء و تقعيدا ، كالخطيب البغدادي في تاريخ بغداد ، و ابن الجوزي (ت في الموضوعات ، و العلل المتناهية ، و تلبيس إبليس . و ابن تيمية(ت 728ه) في منهاج السنة النبوية ، و الذهبي (ت 748ه) في سيّر أعلام النبلاء ، و ميزان الاعتدال في نقد الرجال ، و ابن قيم الجوزية (ت 751ه) ، في كتابه نقد المنقول - هو نفسه: المنار المنيف- ، و ابن كثير (ت 774ه) ، في البداية و النهاية . و هذه الكتب منشورة و متداولة بين أهل العلم ، و شاهدة على ما أقول ، و لا تحتاج إلى توثيق (1) .
و خامسا إن تنويه أركون بعمل ابن خلدون في منهج النقد التاريخي ، يجب أن نتناوله من جانبيه النظري و التطبيقي ، فالنظري عرضه ابن خلدون في مقدمته ، و انتقد فيه طائفة من المؤرخين ، و ركز فيه على جانب واحد من المنهج ، و هو المتعلق بنقد المتون ، و أهمل نقد الأسانيد ، فجاء عمله ناقصا مُشوّها . مع العلم أن الجانب الذي ركّز عليه لم يكن جديدا ، و إنما هو جانب معروف من جانبي نقد الخبر عند المحدثين . و أما الجانب التطبيقي المتعلق بمنهج النقد التاريخي عند ابن خلدون ، فهو عندما كتب تاريخه: العبر و ديوان المبتدأ و الخبر ، لم يلتزم فيه بمنهجه النظري الذي عرضه في المقدمة، فجاء تاريخه عاديا تقليديا كثير الأخطاء (2) .
(1) للتوسع أنظر كتابنا: أخطاء ابن خلدون في كتابه المقدمة ، ص: 27 و ما بعدها .
(2) للوقوف على ذلك راجع كتابنا السابق الذكر .