و الموقف الثالث - من مواقف أركون من منهج النقد التاريخي- هو أنه لما تعرّض لما جاء به الإسلام قال: (( هذه الرهانات التي كان قد استهدفها الناطق الأكبر و الفاعل المُرسل أي الله بالذات حسب المؤمنين أو محمد بحسب المؤرخ الناقد ) ) (1) . و قوله: (( محمد بحسب المؤرخ الناقد ) )، هو كلام باطل ، فيه تدليس و تغليط ، و افتراء على النقد العلمي الصحيح . فكان عليه أن يقول: بحسب المؤرخ الكافر بالإسلام ، أو بحسب المؤرخ المنكر للإسلام ، و لا يصح أن يقول ما زعمه مطلقا ، لأن النقد العلمي ليس حكرا على أحد ،و النقد العلمي الحيادي الموضوعي بريء من ذلك الزعم الباطل . كما أن الناقد الحيادي الطالب للحق يأخذ بكل الاحتمالات بجد ، ثم يتأكد من صدقها بالنقد و التمحيص ، ثم يأخذ بالصحيح منها .
فلا داع يا أركون إلى التدليس و التغليط و الاختفاء وراء النقد العلمي المزعوم ، لنشر المغالطات و الأباطيل ، و الشبهات ، فإذا كان النقد المزعوم أدى بالغالبية الساحقة من المستشرقين و أمثالهم إلى الكفر بالإسلام ، إتباعا لأهوائهم ، فإن النقد العلمي الحيادي الصحيح أدى-قديما و حديثا- بكثير من الغربيين و غيرهم إلى اعتناق الإسلام ، مما يعني أن زعمك باطل مردود عليك في احتكاره للنقد العلمي المزعوم القائم على الأهواء و الظنون . و أما أهل النقد و العلم الصحيحين فهم الذين يصدق عليهم قوله تعالى: (( و يرى الذين أوتوا العلم الذي أُنزل إليك من ربك هو الحق ) )-سورة سبأ/6- ، و (( ليعلم الذين أوتوا العلم أنه الحق من ربك ) )-سورة الحج /54- .و أما أركون و أمثاله ، فلا علم لهم إلا الأهواء و الظنون ،و يصدق عليهم قوله تعالى: { إِن يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَمَا تَهْوَى الْأَنفُسُ وَلَقَدْ جَاءهُم مِّن رَّبِّهِمُ الْهُدَى} -سورة النجم/23- .
(1) أركون: تاريخية الفكر العربي... ص: 101 . و الفكر الإسلامي ، ص: 105 .