فهرس الكتاب

الصفحة 44 من 613

و أما موقفه الرابع فمرتبط بالثالث ، زعم فيه أركون أن العقل المؤمن يستحيل عليه أن يتخذ موقفا مستقلا تماما إزاء التصورات المولدة للقيم و الأحكام و السلوك ، بسبب (( انغماسه في الحس العملي المرتبط بالإيمان ، لا يتيح له أن يتخذ موقف المراقب للأمور في آن واحد ، لأنه لا يستطيع أن ينفصل عن إيمانه ، و لو للحظة من أجل أن يتخذ مسافة نقدية ، و يدرس الأمور بشكل تاريخي و علمي ) ) (1) .

و قوله هذا غير صحيح ، و مجازفة فيها تدليس و تغليط ، لأنه أولا إن الدراسة العلمية الموضوعية الناقدة الفاحصة ليست حكرا على أحد من أهل العلم ، و لا على طائفة منهم ، فكل منهم في مقدوره أن يكون ناقدا موضوعيا حياديا ، على اختلاف عقائدهم و مذاهبهم ، إن تجردوا للحقيقة و صدقت نواياهم ، و تغلبوا على أهوائهم و مصالحهم. لكن المعروف تاريخا و واقعا أن الحياديين من أهل العلم قليلون ، لأن معظمهم يصعب عليه التجرّد للحقيقة العلمية تجردا كاملا ، إذا ما تعارضت مع عقائدهم و مصالحهم .

مع العلم أن التجرد العلمي لا يعني بالضرورة ، أن ينسلخ الباحث كلية عن أصوله و خلفياته و قناعاته العقيدية و المذهبية ، لأنه إذا فعل ذلك فإنه لن يستطيع أن يفعل شيئا ، لأنه دخل مجال البحث فارغا ، و البحث العلمي لا يقوم على فراغ . و إنما المقصود من التجرد العلمي أن لا يقع الباحث تحت تأثير أهوائه و خيالاته و مصالحه ، و أن لا تمنعه قناعاته الفكرية من الدراسة العلمية الحيادية ، و أن لا تحول دون قوله الحقيقة ، و لو كانت ضده .

(1) نفس المرجع ، 101 .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت