و الشاهد الثاني هو من السنة النبوية ، فقد كان النبي-عليه الصلاة و السلام- هو القاضي الأول في زمانه بأمر من الله تعالى ، فكان يحكم بين المسلمين و يُطبق عليهم الشريعة الإسلامية في مختلف جوانب الحياة . و كانت له أفضيات كثيرة جدا ، دونتها كتب الحديث و السيرة و الفقه (1) . كما أنه كان للنبي-عليه الصلاة و السلام- قضاة عينهم على النواحي و الأقاليم ، منهم: عمر بن الخطاب ، و علي بن أبي طالب ، و مُعاذ بن جبل (2) - رضي الله عنهم - . و من أقواله في القضاء أنه عليه الصلاة و السلام كان يقول: (( لا يحكم أحد بين اثنين و هو غضبان ) )، و (( و إذا تقاضى إليك اثنان فلا تقضي للأول حتى تسمع كلام الآخر ، فسوف تدري كيف تقضي ) ) (3) .
و الشاهد الثالث يتعلق بالقضاء زمن الخلفاء الراشدين ، فقد توسع القضاء في زمانهم ، و اُستحدثت فيه أشياء كثيرة ، لكنه مع ذلك ظل قضاء إسلاميا صرفا ، يقوم أساسا على القرآن و السنة أولا ، و ما أجمع عليه الصحابة ثانيا ، و على الاجتهاد الفردي ثالثا (4) .
و الشاهد الرابع يتمثل في الدليل العقلي، ومفاده أنه بما أن المجتمع في النصف الأول من القرن الأول الهجري كان مجتمعا إسلاميا يقوم أساسا على القرآن و السنة النبوية ، تشريعا و تطبيقا ، فلا يصح عقلا و لا شرعا الزعم بأن القضاة المسلمين أهملوا التشريعات القضائية الموجودة في القرآن و السنة ،و اعتمدوا على اجتهادا تهم الخاصة ،و الأعراف المحلية القديمة .
(1) للتوسع أنظر: محمود الفضيلات: المرجع السابق ، ص: 45 .
(2) أحمد بن حنبل: المسند ، ج 1 ص: 156 . و خليفة بن خياط: تاريخ خليفة خياط ، ج 1 ص: 14 . و محمود الفضيلات: نفس المرجع ، ص: 74 و ما بعدها .
(3) الترمذي: السنن ، ج 3 ص: 618 . و الألباني: الجامع الصغير و زياداته ، ج 1 ص: 44 ، 1360 .
(4) محمود: الفضيلات: المرجع السابق ، ص: 172، 204 ، 218 ، 259 .