و أما الشاهد الأخير -أي الخامس- ، فيتمثل في قول لأركون ينقض زعمه الذي نقلناه عنه سابقا ، يقول فيه: إنه لما توقف الوحي بوفاة النبي أصبح القرآن (( يُرجع إليه من أجل تحديد المعايير الأخلاقية ، و السياسية ، و الشعائرية ، و القضائية ، التي ينبغي أن تتحكم منذ الآن فصاعدا بفكر كل مسلم ) ) (1) . فهذا رد دامغ من أركون على نفسه ، و هو كاف وحده لدحض ما ادعاه سابقا ، لكن الرجل لا يعي ما يقول ، أو أنه يتعمد الوقوع في المتناقضات و لا يُبالي بها من أجل الوصول إلى ما يُريد . و خلاصة ما ذكرناه هي أن القضاء في صدر الإسلام كان قضاء إسلاميا محضا قائما أساسا على الكتاب و السنة .
و الخطأ الثاني زعم فيه أركون أن عملية المرور من مرحلة المجازات القرآنية إلى (( مرحلة إنجاز القوانين الصارمة الواضحة التي هي الشريعة الإسلامية ) )تمت في مناخ أُسطوري (2) .
و قوله هذا وهم و خرافة ، لا دليل عليه من الشرع و لا من التاريخ ، لأن القرآن الكريم كله حقائق بمجازاته و تشبيهاته و بمختلف أساليبه التعبيرية ، على ما سبق أن بيناه في الفصل الثاني . و لأن الشريعة هي أيضا حقائق ثابتة على مستوى النصوص و التطبيق ، و تاريخها معروف موجود في القرآن و السنة ،و كتب الفقه و التاريخ (3) .
(1) الفكر الإسلامي ، ص: 73 .
(2) تاريخية الفكر ، ص: 299 .
(3) أنظر مثلا: محمد الزفزاف: التعريف بالقرآن و الحديث ، ً: 250 و ما بعدها . و عمر سليمان الأشقر: تاريخ الفقه الإسلامي ، ص:35 و ما بعدها . و محمود الفضيلات: القضاء في صدر الإسلام ، ص: 47 و ما بعدها .