و كذلك الفقه الإسلامي (1) فتاريخه معروف ومُدوّن ظهر مُبكرا زمن النبي-عليه الصلاة و السلام- ، عندما كان الصحابة يطبقون الإسلام ظاهرا و باطنا ، ثم ازدهر أكثر زمن الخلافة الراشدة و ما بعدها ، عندما توسعت الدولة الإسلامية ، و كثُرت المشاكل و القضايا ،و ازدهرت الحركة العلمية بشكل كبير على أيدي الصحابة و تلامذتهم و من جاء بعدهم (2) . كل ذلك تم في ظروف بشرية عادية للغاية ، و في مناخ اخوي إيماني لا مجال فيه للمناخ الأسطوري الذي توهمه أركون من دون دليل من الشرع و لا من العقل و لا من التاريخ .
و أما الخطأ الأخير-أي الثالث- فيتمثل في زعم أركون بأن القانون- أي الفقه الإسلامي- اُستلحق بالشريعة (3) . و قوله هذا باطل شرعا و تاريخا ، لأن الفقه الإسلامي أو القانون كما سماه أركون مُكون من فقهين ، هما: فقه الشريعة ، و فقه الاجتهاد ، الأول جزء لا يتجزأ من الشريعة ، و بمعنى آخر من دين الإسلام ، ظهر بظهوره لأنه جزء منه. و الثاني هو فقه بني على فقه الشريعة ، و اُستنبط منها ، و بمعنى آخر هو ثمرة لها ، و هو التراث الفقهي الإسلامي الذي أنتجه علماء الإسلام . و هو أيضا قد ظهر مُبكرا زمن النبي -عليه الصلاة و السلام- ، على أيدي أصحابه ، ثم اتسع مجاله فيما بعد (4) .فالفقه الإسلامي لم يُستلحق بالشريعة كما زعم أركون ،و إنما هو ثمرة أصيلة لها ، و لولاها ما ظهر هذا الفقه ، و علماء الأمة يُفرقون جيدا بين الشريعة كدين ، و بين الفقه كاجتهاد مُستنبط منها (5) .
(1) أركون لا يُفرق بين الشريعة و الفقه الإسلامي ، و قد سبق أن تناولنا هذا الموضوع في الفصل الثاني ،و رددنا فيه على أركون .
(2) أنظر نفس المراجع السابقة .
(3) الفكر الأصولي ، ص: 23 .
(4) أنظر: عمر سليمان الأشقر: تاريخ الفقه الإسلامي ، ص: 55 و ما بعدها .
(5) أنظر مثلا: الأشقر: تاريخ الفقه ، ص: 71، 75 و ما بعدها .