فهرس الكتاب

الصفحة 436 من 613

و قوله هذا زعم لا دليل عليه، و رجم بالغيب ، و تعلق بأوهام ،و تدليس على القراء و تغليط لهم، لأنه أولا لم يُوثق زعمه بدليل تاريخي و لا عقلي ، عندما حدد بداية تكوّن الثقافة العربية المزعومة ، عند نقطة ما من تاريخ الجاهلية تعود إلى 150 سنة قبل الإسلام. و نحن لا نسلم بهذا التحديد و لا بالإجماع أو شبهه الذي ادعاه الجابري ، لأنه لم يذكر دليلا يُثبتُ أو يُرجح زعمه ، مما يعني أنه في إمكان أي باحث آخر أن يُرجع تلك البداية إلى 20 قرنا قبل الإسلام ،أ و يُرجعها آخر إلى 20 يوما قبل ظهور الإسلام . الأمر الذي يعني أن طريقة الجابري ليست علمية ،و لا تعتمد على المعطيات التاريخة الموثقة و الثابتة ، و إنما تعتمد على التخمين و الرجم بالغيب ،و هذا أمر لا يعجز عنه أحد.

و هو بذلك الفعل يكون قد غالط و دلّس ، عندما حدد وهمية تبدأ منها الثقافة العربية المزعومة ، و زعم أنها فكرة بدائية تماما و بسيطة تبدوا أنها بديهية لا تحتاج إلى برهان. و زعمه هذا تغليط مُتعمد ، لأن الفكرة البديهية هي تلك الفكرة التي تقوم على خصائص ثابتة تاريخيا ، و هي لا تتوفر فيما يخص نشأة الثقافة العربية التي تقوم على فكرة محددة وهميا. لكن مع ذلك قبلها الجابري بلا برهان ،و هو صاحب نظام البرهان المدافع عنه و المتحمس له.

و الخطأ الثاني زعم فيه الجابري أننا (( لا نعرف شيئا عن الثقافة العربية قبل عصر التدوين إلا ما قد تم تدوينه في عصر التدوين نفسه ) ) (1) . و قوله هذا غير صحيح على إطلاقه ،و فيه مبالغة شديدة ، لأنه أغفل مصدرين هامين لتلك الثقافة لا يدخلان في عصر التدوين الذي حدده الجابري من منتصف القرن الثاني إلى منتصف القرن الثالث للهجرة ، أولهما المصدر القرآني فهو قد دُون زمن الرسول-عليه الصلاة و السلام- ،و قد سجل لنا أخبارا كثيرة متنوعة عن المجتمع العربي قبل الإسلام و أثناء نزول القرآن .

(1) التراث و الحداثة ، ص: 142 .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت