و الخطأ الثاني هو أن الجابري أغفل علوم القرآن و ثقافتها ، فنحن حتى إذا أخذنا بمقياسه فإنه لا ينطبق على علوم الإسلام قبل عصر التدوين ، لأنها تقوم على القرآن ، و هو ليس من مدونات ذلك العصر . و قد كان لتلك العلوم-قبل التدوين- شيوخ و طلاب متفرغون ، و لها مراكز علمية معروفة ، كالكوفة و البصرة ، و مكة و المدينة ، و فيها تخصصات و عمق في البحث ،و لبعض علمائها صُحف يُدونون فيها علومهم (1) ، فهذه العلوم لم تكن ثقافة عامية ،و لا يمكن أن تكون كذلك .و بناء على ما ذكرناه يمكننا أن نقول: إن الثقافتين العامية و العالمة كانتا رائجتين ببلاد المسلمين قبل عصر التدوين ، و خلاله و بعده .
و يُلاحظ على الجابري-فيما قاله عن الثقافة العربية و عصر التدوين- انه أغفل الإسلام كمنطلق أساسي وحيد ، و كبداية حقيقية لتك الثقافة ،و تجاوزه و تخطاه ،و جعله جسرا عبر عليه إلى عصر التدوين ، مع أن الحقيقة الكبرى و العظمى هي: إنه لا حضارة إسلامية ، و لا عربية ، و لا عربية إسلامية ،و لا إسلامية عربية، من دون الإسلام ، فإذا سحبناه سقط كل شيء و أنهار كلية . و مع ذلك فإن الجابري ترك الإسلام و تعلق بنقطة وهمية من العصر الجاهلي ثم قفز بها و جعّدها إلى عصر التدوين ، الذي جعله الإطار المرجعي لكل الثقافة المسماة بالعربية التي من مكوناتها الإسلام ، الذي أصبح جزءا لا يتجزأ منها . و عمله هذا هو عملية طمس و تلاعب ، و تقزيم و تحريف للإسلام و حقائق التاريخ.
و أما المجموعة الثانية فتتعلق أخطاؤها بالعقل و التفكير العلمي في عصر التدوين ، و تتضمن خمسة أخطاء ، أولها يتمثل في أن الجابري ادعى أن تنصيب العقل في الإسلام بدأ على يد الخليفة المأمون (ت218ه) ، عندما شرع في ترجمة الفلسفة اليونانية (2) .
(1) أنظر مثلا: محمد عجاج الخطيب: السنة قبل التدوين ، ص: 348 و ما بعدها .
(2) تكوين العقل ، ص: 229-235 .