فهرس الكتاب

الصفحة 438 من 613

و أما الخطأ الخامس فيتمثل في أن الجابري وصف عملية التدوين بأنها (( كانت في الحقيقة عملية إعادة بناء ذلك الموروث الثقافي في الشكل الذي يجعل منه تراثا ، إي إطارا مرجعيا لنظرة العربي إلى الأشياء ، إلى الكون و الإنسان ، و المجتمع و التاريخ ) ) (1) . و قوله هذا غير صحيح على إطلاقه ، لأنه إذا كان يصدق على الطوائف التي أسست عقائدها و أفكارها على المؤلفات التي صُنفت في عصر التدوين ، فإنه لا يصدق على المسلمين الذين يأخذون دينهم و مفاهيمهم و سلوكياتهم من القرآن الكريم مباشرة ، لأن القرآن ليس من مدونات عصر التدوين .

و الخطأ الأخير- أي السادس من المجموعة الأولى- ، يتمثل في أن الجابري قال: إن الثقافة العامية كانت رائجة في بلاد العرب قبل عصر التدوين ، فلما دُونت أصبحت ثقافة عالمة (2) . و قوله هذا غير صحيح على إطلاقه ،و يتضمن خطأين واضحين ، أولهما إن مقياس التمييز بين الثقافة العامية و العالمة ليس مقياسا واحدا ، و إنما هو مجموعة مقاييس ، من بينها مقياس التدوين، الذي هو ليس مقياسا حاسما ، و لا يكفي وحده ، و ليس ضروريا أيضا ، لذا فإن الثقافة إذا توفر فيها المختصون ، و تميزت بالموضوع و العمق و التقنين ، فهي ثقافة عالمة حتى و إن لم تُدوّن . و إذا دُونت و لم يتوفر فيها ما ذكرناه فهي ثقافة عامية و إن دُونت ، لأن مهمة التدوين بالدرجة الأولى تقييد العلم و حفظه . و مثال ذلك السنة النبوية الصحيحة ، فقد كانت علما و ثقافة عالمة قبل تدوينها ، فلما دُونت بقيت علما كما كانت قبل تدوينها ، و أصبحت علما مدونا محفوظا مُقننا .

(1) تكوين العقل ، ص: 61 .

(2) تكوين العقل ، ص: 184 . و بنية العقل العربي ، ص: 14 .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت