فهرس الكتاب

الصفحة 441 من 613

و أما الخطأ الثاني فيتمثل فيما ادعاه الجابري من أن التفكير العلمي عند العرب بدأ بتدوين اللغة العربية و تقنينها (1) . و قوله هذا غير صحيح تماما ، لأنه أولا إن التفكير العلمي ليس مرتبطا بتدوين اللغة ارتباط ضرورة ، و إنما هو مرتبط أساسا بالتكوين النفسي و العقلي للإنسان من داخله . و التفكير العلمي في العصر الإسلامي ، كوّنه الإسلام نفسه ، قبل عصر التدوين بأكثر من 150 سنة . و ذلك أن الإسلام كوّن المسلمين تكوينا شاملا كاملا متوازنا جمع بين الروح و العقل و الجسد ، و أولى القرآن الكريم التفكير العلمي أهمية كبرى ، فحث عليه و أرشد إليه ،و حذّر من الابتعاد عنه ،و الانسياق وراء الظنون و الأهواء (2) . و نفس الأمر فعله النبي - صلى الله عليه وسلم - مع الصحابة ، فقد كونهم تكوينا علميا فطريا صحيحا ، عندما أبعدهم عن الخرافات و نهاهم عن السحر و الشعوذة و الكهانة (3) . و عندما مات ابنه إبراهيم في يوم حدث فيه كسوف للشمس و قال بعض الناس: إنها كسفت لموت إبراهيم ، أنكر عليهم قولهم ،و قام في الناس و قال لهم: إن الشمس و القمر لا ينكسفان لموت أحد، و لكنهما آيتان من آيات الله )) (4) . فأعطاهم درسا عمليا في التفكير العلمي الصحيح ،و البعد عن التفكير الأسطوري في تعليل الظواهر الطبيعية .

(1) التراث و الحداثة ، ص: 262 .

(2) سبق التوسع في ذلك عندما تطرقنا إلى طرق الاستدلال في القرآن في الفصل الثاني .

(3) أنظر مثلا: ابن أبي العز الحنفي: شرح العقيدة الطحاوية ، ص: 502 و ما بعدها .

(4) البخاري: الصحيح ، ج 1 ص: 353 . .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت