و ثانيا إن وجود العلوم و العلماء من الصحابة و التابعين قبل عصر التدوين ، هو دليل قاطع على أن هؤلاء كان لهم تفكير علمي صحيح ، كان سائدا بين أهل العلم قبل عصر التدوين ، لأنه لا علوم و لا علماء بدون تفكير علمي . و عملية تدوين اللغة العربية و تقنينها هي نفسها دليل دامغ على وجود التفكير العلمي قبل عصر التدوين ، لأن الذين جمعوها و نظموها و قننوها ، ما كان في مقدورهم فعل ذلك، دون تفكير علمي صحيح ، فجاء تدوينهم للغة العربية و العلوم الأخرى ثمرة لذلك التفكير و ليس العكس ،و بمعنى آخر أنه كان موجودا قبل التدوين ، فلم يظهر معها ،و لا هي أوجدته .
و الخطأ الثالث يتمثل في أن الجابري ادعى أن الإطار المرجعي الحق للعقل العربي ليس العصر الجاهلي و لا العصر الإسلامي الأول، و إنما هو عصر التدوين ، لأن ما نعرفه عن ما قبل عصر التدوين إنما تم بناؤه في عصر التدوين (1) .
و قوله هذا غير صحيح على إطلاقه ، لأن ذلك العصر ليس إطارا مرجعيا للقرآن و علومه ، و من ثم ليس هو إطارا مرجعيا للعقل المسلم الذي يأخذ دينه و شريعته و ثقافته و مفاهيمه من القرآن الكريم . و إنما هو-أي عصر التدوين- إطار للطوائف التي تأخذ فكرها و مذاهبها من المصنفات التي دُونت في عصر التدوين . كما أنه ليس صحيحا بأن ما نعرفه عن العصر الجاهلي و صدر الإسلام إنما تم بناؤه في عصر التدوين ، لأننا نعرف أشياء كثيرة جدا عن العصر الجاهلي و عن صدر الإسلام من القرآن الكريم و الآثار المادية المتبقية إلى اليوم .
(1) تكوين العقل ، ص: 68 .