و ثانيا إنه من الخطأ القول بأن العقل العربي يجد مرجعيته في العلوم التي دونت في عصر التدوين ، لأن معظم هذه العلوم ، كالفقه و السيرة ، و العقائد و الأخلاق ،و اللغة العربية ، تقوم أساسا على القرآن الكريم و تجد مرجعيتها النهائية فيه . و بما أن القرآن الكريم دُون زمن الرسول-عليه الصلاة و السلام- ، و ليس هو من مدونات عصر التدوين ، فهذا يعني بالضرورة أن تلك العلوم و معها عصر التدوين نفسه تجد مرجعيتها النهائية في القرآن الكريم ،و من ثم فإن العقل المسلم- العربي حسب الجابري- يجد إطاره المرجعي الحق في القرآن الكريم و ليس في غيره .
و الجابري عندما جعل عصر التدوين هو المرجع الحق للعقل العربي فيما يتعلق بالعصر الجاهلي و صدر الإسلام ، يكون قد جعل العرب يعيشون جاهليتين ، الأولى جاهليتهم قيل الإسلام ، و الثانية جاهليتهم في العصر الإسلامي الأول ، مع الاختلاف في طبيعة كل جاهلية و خصائصها و ظروفها ، علما بأن الجاهلية الثانية خيال لا وجود لها في الواقع ،و إنما دعوى الجابري تؤدي إلى القول بها و الاعتقاد بوجودها .