فهرس الكتاب

الصفحة 448 من 613

و أما القول بأن المأمون ترجم الفلسفة اليونانية لنصرة البيان ، فهذا قول مشكوك فيه و غير ثابت تاريخيا ،أو على الأقل لم يكن هو السبب الوحيد في ترجمة تلك الفلسفة إلى اللغة العربية، بدليل الشاهدين الآتيين: أولهما إن قسما كبيرا من الفلسفة اليونانية كان قد تُرجم إلى اللغة العربية قبل أن يشرع المأمون في ترجمة الفلسفة اليونانية سنة 215 هجرية (1) . فقد تُرجمت كتب قديمة كثيرة إلى اللغة العربية قبل ذلك التاريخ ، و أخرى قد صُنفت باللغة العربية في الفلسفة ، من ذلك أن الكيميائي جابر بن حيان (ت200ه) ، ألف نحو 300 كتاب في الفلسفة شرحا و نقدا ، منها: كتاب المنطق على رأي أرسطو ، و شرح إقليدس ، و مصطحات أرسطو (2) . فلماذا تُرجمت هذه الكتب -و غيرها- قبل المأمون ؟ ، علما بأن جابر بن حيان كان شيعيا باطنيا (3) .

و الشاهد الثاني هو إنه مما يُضعف زعم الجابري ، أن المعتزلة أنفسهم كانوا عقلانيين- حسب زعمهم - على رأسهم المأمون الذي ألحقه الجابري بالفلاسفة . الأمر الذي يعني أنهم -أي المعتزلة- لم يكونوا في حاجة إلى منطق أرسطو و لا إلى فلسفته. و هم كانوا قد دخلوا في نزاعات مذهبية حادة مع خُصومهم مبكرا ، عندما تكونوا زمن الحسن البصري (4) و ما بعده ، قبل ترجمة الفلسفة اليونانية ، مما يعني أنهم كانوا قد تضلّعوا في المنطق و الجدال ، قبل التعرف علي فلسفة اليونان . و هم و إن ساهموا في ترجمتها فقد ظلوا محافظين على مذهبهم منهجا و تطبيقا ، و لم ينتموا إلى الفلاسفة ، بل خاصموهم و ردوا عليهم ،و هذا أمر أشار إليه الجابري مرارا في كتابيه تكوين العقل العربي ،و بنية العقل العربي .

(1) محمد طقوش: التاريخ الإسلامي الوجيز ، ص: 169 .

(2) ابن النديم: الفهرست ، دار المعرفة ، بيروت ، 1978 ، ج 1 ص: 502، 503 .

(3) نفسه ، 501 و ما بعدها .

(4) عنهم أنظر: عبد القاهر البغدادي: الفرق بين الفرق .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت