فهرس الكتاب

الصفحة 450 من 613

و أُشير في هذا المقام إلى أمر هام جدا يتعلق بترجمة العلوم القديمة إلى اللغة العربية خلال عصر التدوين ، و مفاده أن عملية الترجمة صاحبتها نقائص و سلبيات كثيرة ، على مستوى الدوافع و الخلفيات و المظاهر و الآثار . فمن ذلك أولا أن ترجمة تلك العلوم إلى اللغة العربية لم تكن ضرورية ؛ و إن كان الإسلام لا يحرم على أهله الانتفاع بما عند غيرهم من خيرات و محاسن ، و تجارب مفيدة و علوم نافعة ، لكن مع ذلك فإن ترجمة تلك العلوم أرى (1) أنه لم يكن من الضروري على المسلمين ترجمتها ، فقد عاشوا بدونها نحو قرنين من الزمن . و لو لم تترجم تلك العلوم إلى اللغة العربية لنمت و ترعرعت العلوم الطبيعية و الرياضية في المجتمع الإسلامي نموا محليا طبيعيا ، لأنها علوم ضرورية لا يستغني عنها مجتمع من المجتمعات البشرية . و قد كانت أصولها قائمة في المجتمع الإسلامي ، نشأت في ظل الإسلام نحو قرنين من الزمن ، استجابة لأمرين أساسين ، أولهما إن الإسلام يحث على كل العلوم النافعة ،و يدعوا إلى النظر في الأفاق و الأنفس ،و في كل مظاهر الكون لاكتشاف قوانينه و تسخيره لخدمة الإنسان ، هذا فضلا على أن بعض عباداته و أحكامه لا بد لها من رياضيات و فلك ، كالمواريث و أوقات الصلاة و الحج . و ثانيهما أن الحاجة لتلك العلوم حاجة ماسة ، تجعل نشأتها في المجتمع الإسلامي - الواسع المتنوع الأعراق و الأجناس- أمرا ضروريا

(1) قد يُخالفني بعض الباحثين فيما أراه ، من أن ترجمة العلوم القديمة لم تكن أمرا ضروريا ، لكنني أرى ذلك ، و قد ذكرت دليلي لتدعيم ما ذهبت إليه . وا أقول إن الأمر لم يكن ضروريا ، مع أن المجتمع الإسلامي كان في حاجة إلى العلوم الطبيعية ، و كان أمامه إما الاكتفاء بما عنده من تلك العلوم و تطويرها محليا ، و إما أن يُترجم كتب العلوم القديمة المتعلقة بتلك العلوم لينتفع بها . فالأمر إذا لم يصل إلى حد الضرورة ،و كان فيه اختيار بين طريقين .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت