و منها أيضا أن تلك العلوم تُرجمت دون تمحيص و تمييز بين صحيحها من سقيمها ، وهذا خطأ فادح صاحب عملية الترجمة ؛ فكان من اللازم أن تُترجم العلوم الضرورية النافعة ، كالطب و الهندسة ، مع الشروح و المقدمات و التنبيهات و التحذيرات ؛و أن لا تُترجم العلوم الضارة المعارضة للشرع ، ككتب السحر و الشعوذة ،و إلهيات اليونان و منطقهم (1) .
و قد يرى بعض الناس في ترجمة العلوم القديمة إلى اللغة العربية عملا حضاريا إيجابيا ، و هذا رأي وجيه فيه جانب كبير من الصحة ، لو أن العملية تمت بطريقة صحيحة و على أيدي أمينة ، و بما أنها تمت بطريقة خاطئة مليئة بالنقائص و السلبيات فعدمها أولى من ترجمتها .
و ختاما لهذا الفصل-أي الثالث- يتبين مما ذكرناه ، أن الأخطاء التاريخية المتعلقة بالقرآن و الشريعة ،و السنة و السيرة ، هي في معظمها من أخطاء أركون ، خلاف الأخطاء التاريخية المتعلقة بنشأة الثقافة و العلوم في العصر الإسلامي ، فغالبيتها كانت من أخطاء الجابري .و قد تبين - من خلال الأمثلة الكثيرة التي ذكرناها- أن أسباب تلك الأخطاء يعود بعضها إلى النقص في الإطلاع على الروايات التاريخية ،و بعضها الآخر سببه الاتجاهات و الخلفيات المذهبية التي كانت تتدخل في تفسير الحوادث و المفاهيم و توجهها توجيها مذهبيا متعصبا .
(1) أنظر مثلا: صديق حسن خان: أبجد العلوم ، دار الكتب العلمية ، بيروت ، 1978 ، ج 1 ص: 258 و ما بعدها . و ابن النديم: الفهرست ، ج 1 ص: 679 .