و أما الخطأ الثاني فيتعلق بموضوع الخلافة بعد وفاة النبي-عليه الصلاة و السلام- ، ادعى فيه أركون أن حادثة السقيفة كانت مناقشة كبرى حاسمة ، قسمت الوعي الإسلامي و مزقته، و كانت فيها قبيلة بني هاشم و بني أمية موجودتين على الساحة مستعدتين لخوض الصراع بسبب الخلافة . ثم تعقدت المسألة أكثر بدخول الأنصار الصراع ، و هم قبيلة أخرى لهم طموحاتهم السلطوية أيضا. ثم قال: (( إننا لا نستطيع أن نُخفي إلى الأبد هذه الحقائق السوسيولوجية- التاريخية التي ضمنها أو ضدها سوف تشق الفكرة الإسلامية طريقها ) ) (1) .
و قوله هذا غير صحيح في معظمه ، و يتضمن أباطيل و مغالطات ، أولا إن الذي حدث في سقيفة بني ساعدة و بيعة أبي بكر الصديق-رضي الله عنه- ، هو أول تجربة شورية -ديمقراطية بلغة العصر- ناجحة حققها الصحابة بعد وفاة رسول الله-عليه الصلاة و السلام- ، و أدت إلى توحّد المسلمين حول خليفة واحد ، و تكوين دولة الخلافة الراشدة ، التي فتحت العالم وأطاحت بدولتي الفرس و الروم ، و تحقق فيها وعد الله تعالى عندما قال: - {وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُم فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُم مِّن بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا وَمَن كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ} - سورة النور/55- . فهذه الحادثة جمعت المسلمين قلبا وقالبا ، و لم تقسمهم و لا مزقتهم ،و أما الخلافات التي حدثت في الفتنة الكبرى و ما أنجر عنها من تمزق و انقسامات بين المسلمين ، فلا علاقة لها بما حدث في السقيفة (2) .
(1) تاريخية الفكر ، ص: 145 ، 282 ، 284 .
(2) سنتطرق إلى ذلك لاحقا .