و الشاهد الثاني هو أن الصحابة أنفسهم كانوا يحتاطون في رواية الحديث النبوي ، و يتثبتون في قبوله ، و بعضهم يُطالب بالشاهدين ، ليقبله ممن سمعه ، خوفا من توسع الناس في روايته ، فيدخله ما ليس منه ، حدث ذلك في زمن الخلافة الراشدة و بعدها (1) .
و الشاهد الثالث ، هو أن التابعين هم أيضا كانوا يتثبتون في رواية الحديث و قبوله ، فيتأكدون منه بالترحال إلى الرواة ، و المطالبة بصحة الإسناد ، فعلوا ذلك بعد انتشار الكذب على إثر الفتنة الكبرى سنة 35ه ، و ما حدث بعدها من انقسام للأمة إلى طوائف متناحرة (2) .
و الشاهد الرابع يتضمن نموذجا لتثبت بعض الصحابة في قبول الحديث النبوي ، بالاعتماد على نقد الإسناد و المتن معا ، و مفاده هو أن الصحابية فاطمة بنت قيس لما طلقها زوجها ثلاثا ، ذهبت إلى عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- و أخبرته بحديث عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فيه إسقاط نفقتها و سكناها ، و قد كانت هي امرأة صالحة ، فلم يقبل منها عمر ، و قال: (( ما كنا لندع كتاب ربنا و سنة نبينا ، لقول امرأة لا ندري أحفظت ذلك أم لا ) ) (3) .
(1) أنظر: ابن قتيبة: تأويل مختلف الحديث ، دار الجيل ، بيروت ، 1972 ، ص: 39 . الذهبي: تذكرة الحفاظ ، ط1 ، دار الكتب العلمية ، بيروت ، ج 1 ص: 2 . و البخاري: الصحيح ، ج 5 ص: 2305 ، رقم الحديث: 5891 . و مسلم: الصحيح ، ج 1ص: 12 ، ج 3 ص: 311 . النسائي: السنن الكبرى ، ج 4 ص: 73 .
(2) مسلم: نفسه ، ج 1 ص: 12 . و الذهبي: نفس المصدر ، ج 1 ص: 55 . و عجاج الخطيب: السنة قبل التدوين ، ص: 92 و ما بعدها .
(3) أبو داود السجستاني: السنن ، بيروت ، دار الفكر ، دت ، ج2 ص: 288 . و سنن أبي داود من تحقيق الألباني ، رقم: 2291 . و الخطيب البغدادي: الكفاية في علم الرواية، المكتبة العلمية ، المدينة المنورة ، د ت ، ص: 83 .