و أما والي الشام معاوية ابن أبي سفيان فلم أعثر على أي خبر يُشير إلى أن رعيته اشتكت منه أو ثارت عليه ، مما يعني أنه كان عادلا في رعيته محبوبا لديها مُتحكما فيها ، لذا لم يكن مع الثائرين وفد من الشام ، لأن الوفود الثائرة خرجت من مصر و الكوفة و البصرة .
و أُشير هنا إلى أن الجابري نقل عن الطبري أن عثمان أعطى لواليه على مصر: عبد الله بن سعد بن أبي سرح خُمس الخُمس الذي أُخذ من غنائم فتح إفريقية سنة 27هجرية (1) . و هذا النص المنقول صريح بأن عثمان أعطى ذلك المال لعبد الله بن أبي سرح و هو من أقاربه ، لكنه نص ناقص تصرّف فيه الجابري حتى أخرجه عن حقيقته و سياقه النهائي ، و لا أدري هل فعل ذلك نسيانا أم تعمدا ؟ . علما بأن النص الذي نقله يتفق مع فكرته في اتهام عثمان بسوء توزيع الثروة و محاباة أقاربه .
و أما النص كما هو عند الطبري ، فيقول على لسان عثمان: (( و قالوا: إني أعطيت ابن أبي سرح ما أفاء الله علي ، وإني إنما نفلته خمس ما أفاء الله عليه من الخمس فكان مائة ألف وقد أنفذ مثل ذلك أبو بكر وعمر رضي الله عنهما ، فزعم الجند أنهم يكرهون ذلك فرددته عليهم وليس ذاك لهم ، أكذالك ؟، قالوا: نعم ... ) ) (2) . فالجابري تصرّف في النص حتى أخرجه من سياقه و حقيقته ،و وجهه كما يُريد ، فأغفل دفاع عثمان عن نفسه ، و تراجعه عن إعطاء خُمس الخُمس لعبد الله واليه على مصر ،و توزيعه على الجند ،و اعتراف الناقمين عليه بذلك . فتدبر ذلك ؟ ! ، إن عمل الجابري هذا ليس من الموضوعية العلمية في شيء ، و هو يندرج في التحريف و التغليط .
و بما أنه تبين لنا أن الروايات التي ذكرها الجابري في أسباب الثورة على عثمان غير صحيحة ، و أن الأسباب التي ذكرها ليست هي الأسباب الحقيقية في الثورة عليه ، فما هي الأسباب الحقيقية العميقة و المؤثرة في الثورة عليه ؟ .
(1) العقل السياسي ، ص: 141 .
(2) تاريخ الطبري ، ج 2 ص: 651 .