لقد تبين لي من دراستي للفتنة الكبرى أن أسبابها الحقيقية الرئيسية العميقة و الحاسمة تتمثل في أربعة أسباب (1) ، أولها الحسد و الغيرة و الأنانية من بعض الناس خاصة رؤوس الفتنة كالأشتر النخعي، و محمد بن أبي حُذيفة ،و محمد بن أبي بكر ، هؤلاء و أمثالهم دفعتهم أنانيتهم و حسدهم لبعض الرجالات المتنفذين في الدولة من الأموييين و غيرهم ، إلى العمل ضدهم و تأليب الناس عليهم ، لإسقاط دولتهم ، و هذا الأمر أشارت إليه الرواية الصحيحة التي ذكرها الحسن البصري في وصفه للمجتمع في نهاية خلافة عثمان (2) .
و السبب الثاني يتمثل في التكالب على الدنيا و التناحر علي حُطامها ، طلبا للمزيد و التوسع في ملذاتها ، من دون أن يكون ذلك عن فقر و حاجة ، و إنما كان ذلك عن شبع و بطنة ، و وفرة للثروة ، و عدل في التوزيع .
و السبب الثالث يتمثل في العصبية القبلية ، و ذلك أن كثيرا من القبائل غير القرشية ، يبدو أنه استثقلت احتكار قريش للسلطة ، و رأت في ذلك إنقاصا من مكانتها و تأخيرا لها ؛ فسعت جاهدة لتغيير ذلك الوضع ، مستخدمة مختلف الوسائل المتاحة لها ، فوجدت في زمن خلافة عثمان الفرصة مواتية لها لتحقيق أهدافها ؛و قد كانت القبائل اليمنية على رأس المعارضين الذين ثاروا على عثمان ،و هذا أمر أشار إليه الجابري نفسه (3) .
(1) هذا لا يمنع من وجود أسباب أخرى ثانوية لم تكن حاسمة ، استغلها دعاة الفتنة في الثورة على عثمان .
(2) سبق ذكرها و توثيقها .
(3) أنظر: العقل السياسي ، ص: 152، 172 .