و قوله هذا قير صحيح ، و لم يحدث في التاريخ هذا الحل الوسط المزعوم ، لأن الخلاف حول مسألة خلق القرآن ظل قائما بين أهل السنة و المغتزلة دون أي حل وسط ، فالمعتزلة قالوا القرآن مخلوق ،و أهل السنة قالو القرآن كلام الله غير مخلوق . لكن الأمر الخطير الذي حدث بعد ذلك أن السنيين اختلفوا فيما بينهم حول حقيقة كلام الله تعالى ، و انقسموا إلى السنة السلف ،و مثّلهم الحنابلة و أهل الحديث ، و إلى السنة الخلف ، و مثّلهم الأشاعرة و الماتريدية ؛ فقال السلف أن القرآن كلام الله حقيقة حرفا و صوتا ، و أنه تعالى لم يزل متكلما إذا شاء ، فيتكلم بما شاء و متى شاء .و قال الخلف أن القرآن ليس كلام الله على الحقيقة ، و إنما هو حكاية و عبارة عنه ، هو كلام نفسي واحد لا يتعدد و لا يتبعض ، و ليس بصوت و لا بحرف ، فإذا تكلم به بالعبرية كان توراة ، و إذا تكلم به بالسريانية كان إنجيلا ، و إذا تكلم به بالعربية كان قرآنا. و ظل الخلاف قائما بين الطائفتين علميا و عمليا طيلة العصر الإسلامي إلى يومنا هذا (1) .
و بذلك يتبين أن مسألة كلام الله تعالى لم تُحسم ،و لم يحدث فيها أي اتفاق بين جناحي أهل السنة المتنازعين،و ما تزال تثير بينهم الخلافات و المنازعات إلى يومنا هذا ، عكس ما ادعاه الجابري من المتنازعين انتهوا إلى تكريس حل وسط بينهم .
(1) أنظر مثلا: عبد الرحمن سفر الحوالي: منهج الأشاعرة في العقيدة ، الدار السلفية ، الجزائر .