و أما الخصائص التي تميز بها مشروع الجابري ، فمنها إنه مشروع فكري انتصر للعلمانية و القومية على حساب الإسلام ، انتصر لهما باسم البرهان و العقلانية المزعومين ، و أخّر الإسلام و علومه بدعوى البيان . منطلقا في ذلك من خلفيات قومية علمانية واضحة ، رددها الجابري مرارا ، حتى أنه دعا إلى تحويل العقيدة إلى مجرد رأي .
و منها أيضا إنه مشروع يستبطن الطعن في الإسلام بطريقة خفية ملتوية ، كتفضيله نظام البرهان على ما سماه بنظام البيان ، الذي أدخل فيه علوم الكتاب و السنة من دون أن يستثنيها منه ، الأمر الذي يعني أن علوم الشرع غير مبرهنة ، و لا تقوم بذاتها ، و لابد لها من نظام البرهان لتقوم عليه ،و بدونه لا قيام لها . و من ذلك أيضا زعمه بأن النصوص الشرعية متعارضة في مسألتي القضاء و القدر ، و الحكمة و التعليل ، و هذا ادعاء باطل يتضمن طعنا في الدين بأن آياته متعارضة ،و لا يُقدم حلا صحيحا لمسألتين من أخطر المسائل الفلسفية و أعوصها . و تلك المزاعم سبق أن ناقشناه فيها و رددنا عليه ،و بينا وجه الحق فيها .
و منا أيضا إنه مشروع قام على تراث فكري مُلفق متنافر ، يفتقد إلى الانسجام و التناغم ،و الترابط و المتانة، جمع فيه صاحبه خليطا من الأرسطية و الحزمية ، و الرشدية و الخلدونية ، و المقاصدية الشاطبية ، و أضاف إليه جانبا من الفكر الغربي الحديث ، لإيجاد مشروع علماني قومي جذوره توراثية قومية دينية ، يتقبله العرب بلا مقاومة ،و يرون فيه امتدادا لهم من العصر الجاهلي إلى يومهم هذا . فهو لم يعد إلى الإسلام و تراثه من أجلهما ،و إنما عاد إليهما ليوُظفهما في مشروعه القومي العلماني ، يكون الإسلام فيه ترسا قديما موروثا يُؤدي دورا تاريخيا مُحدد سلفا .