فهرس الكتاب

الصفحة 61 من 613

و الثالث هو صنف يصعب أو يكاد يكون نقده مستحيلا إلا من الإسناد ، و ذلك عندما يكون متنه صحيحا معقولا ، و إسناده مكذوبا . و الرابع هو صنف صعب جدا تحقيقه ، أو يكاد يكون مستحيلا تحقيقه من الإسناد و المتن معا ، و ذلك عندما يٌقدم كذاب ذكي على اختلاق حديث صحيح المتن-أي المعنى- ، و يُركب له إسنادا صحيح مختلقا ، و هذا النوع هو من أصعب الروايات تحقيقا و تمحيصا ، لا يقدر على كشفه إلا كبار النقاد الفطاحل المتضلعين في الأسانيد و المتون ، و المتبحرين في علوم كثيرة .

و بذلك يتبين جليا أن ما فعله نُقاد الحديث في تكوين منهج نقدي شامل لنقد الأسانيد و المتون معا ، كان عملا صحيحا صائبا ، في مستوى التحدي لمقاومة كثرة الكذابين و الوضاعين الذين جمعهم الكذب على رسول الله -عليه الصلاة و السلام- ، و صحابته الكرام .

و أما الموضوع الثاني - الخاص بأخطاء الجابري في منهج النقد التاريخي- ، فيتعلق بموقف الجابري من النقد التاريخي عند المؤرخ ابن جرير الطبري (ت 310ه) ، فنقل نصا من مقدمة تاريخه يقول فيه الطبري: (( وليعلم الناظر في كتابنا هذا أن اعتمادي في كل ما أحضرتُ ذكره فيه ، مما شرطت أني راسمه فيه ، إنما هو على ما رويت من الأخبار التي أنا ذاكرها فيه ، والآثار التي أنا مسندها إلى رواتها فيه إذ كان العلم بما كان من أخبار الماضين وما هو كائن من أنباء الحادثين غير واصل إلى من لم يشاهدهم ولم يدرك زمانهم إلا بإخبار المخبرين ونقل الناقلين دون الاستخراج بالعقول والاستنباط بفكر النفوس فما يكن في كتابي هذا من خبر ذكرناه عن بعض الماضين مما يستنكره قارئه أو يستشنعه سامعه من أجل أنه لم يعرف له وجها في الصحة ولا معنى في الحقيقة فليعلم أنه لم يُؤت في ذلك من قبلنا وإنما أُتي من قبل بعض ناقليه إلينا وأنا إنما أدينا ذلك على نحو ما أُدي إلينا ) ) (1) .

(1) بنية العقل العربي ، ص: 549 .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت