و ثالثا إن الحل الذي اقترحه الجابري هو حل مُجمل يحتاج إلى تفصيل ، فإذا قصد بالاحتكام إلى العقل و المنطق ، بأن نضع منهجا عقليا لتحقيق الأحاديث على مستوى الأسانيد و المتون معا ، فهذا أمر مُتفق عليه ، و هو الذي فعله نُقاد الحديث في منهجهم الذي سبق أن ذكرناه .
و إما إذا كان يقصد بذلك وضع منهج نقدي عقلي يقتصر على نقد المتون دون الأسانيد في التحقق من الأحاديث ، و الأرجح أنه يقصد هذا الذي ذكرناه ، فهو منهج ناقص ، أخذ جانبا من منهج نقد الخبر عند المحدثين . و هو منهج غير قادر على التصدي وحده لظاهرة وضع الروايات الحديثية و التاريخية ، لأن الوضاعين للأحاديث مثلا ، هم قد استخدموا عقولهم في الكذب و التزييف في الأسانيد و المتون معا ، الأمر الذي يُحتم على المقاومين لهؤلاء الكذابين الوضاعين ، أن يتسلحوا بمنهج عقلي شامل لنقد الأسانيد و المتون معا ، لكشف أكاذيب هؤلاء التي مست الأسانيد و المتون معا ، و إلا كيف نتعامل مع أباطيلهم و أكاذيبهم المتعلقة بالأسانيد ، كاختلاق الأسانيد ،و التلاعب بالرواة ، و تركيب الطرق ؟ .
و لا يخفى عنا أن الروايات المكذوبة - الحديثية منها و التاريخية- هي على أربعة أصناف ، أولها صنف يمكن كشفه بسهولة ، من خلال الإسناد و المتن ، أو من أحدهما ، كأن يتضمن الإسناد راويا كذابا معروفا ، أو يتضمن المتن كذبة مكشوفة . و ثانيها هو صنف يصعب أو يكاد يكون مستحيلا تحقيقه إلا من المتن ، عندما يكون الإسناد صحيحا و المتن موضوعا .