و ردا عليه أقول: أولا إنه بالغ في تضخيم ظاهرة الروايات الحديثية المتناقضة وخطرها ، نعم هي حقا حدثت في تاريخنا ، و شكّلت خطرا على السنة النبوية الصحيحة ، لكنها كانت معروفة لدى علماء الحديث و نقاده ، الذين تصدوا لها بحزم و قوة باستخدام منهج نقد الخبر القائم على نقد الأسانيد و المتون معا .
و تلك الظاهرة كانت لها أسباب موضوعية كثيرة ، و لم تكن بسبب الكذب فقط ، فمن أسبابها: الخطأ و النسيان ، و النسخ في الحديث النبوي ، و الكذب المتعمد لأهداف سياسية و مذهبية و دنيوية كثيرة (1) . لذا فلا مبرر لتضخيم ظاهرة تناقض الروايات الحديثية بدعوى الكذب ، و اختلاط الأحاديث النبوية ، لأن الأحاديث الصحيحة هي الأسبق في الانتشار ،- قبل شيوع الكذب- و كانت معروفة ، و معمول بها ، و يحفظها كثير من أهل العلم (2) .
و ثانيا إن إشارة الجابري إلى وجود الأحاديث المتناقضة في كتب الحديث السنية المعتمدة ، فيها نوع من التغليط و الطعن ، و كان عليه أن يُشير إلى أن وجود تلك الأحاديث لا يعني أن علماء السنة يقبلونها على عِلاتها ، و يأخذون بالمستحيلات و المتناقضات ؛ لأن حقيقة الأمر هي أن علماء الحديث لم يشترطوا ذكر الصحيح فقط في مؤلفاتهم الحديثية ، فإن معظمهم لم يشترطوا ذلك ، فرووا الصحيح ، و الضعيف ، و حتى الموضوع ، فالصحيح يُؤخذ به ، و غيره يُدون ليُعرف ، و يُميز ، و يُتجنب ، كما هو الحال في السنن و المسانيد و غيرها (3) .
(1) أنظر مثلا: محمد الزفزاف: التعريف بالقرآن و الحديث ، ص: 208 ، و ما بعدها .
(2) للتوسع في ذلك أنظر: نفس المرجع ، ص: 205 ، و ما بعدها .
(3) عمر سيليمان الأشقر: تاريخ الفقه الإسلامي، قصر الكتاب ، الجزائر ، 1990 ، ص: 92، 106 . و محمد الزفزاف: نفس المرجع ، ص: 214 ، و ما بعدها .