و منها إن تحقيق الإسناد يتطلب أمورا يُوجبها العقل ، كمعرفة الرواة من حيث أعيانهم و أحوالهم ، من ضبط و عدالة ، فليس من العقل أن نقبل أخبارا رواها كذابون ، أو قوم شبه مجانين أو مجانين . كما أنه ليس من العقل أن نقبل أخبارا ذكرها أناس عن أقوام لم يلحقوا بهم ، أو رووها عن صغار لا يُميزون !! .
و منها أيضا أن تحقيق الأحاديث من حيث المتون ، يتطلب النظر في أمور كثيرة يُوجبها العقل ، منها: هل ما ذكره الرواة يتفق مع القطعيات الشرعية و العقلية ؟ ، و هل ما رووه يتفق مع المتواترات و الثوابت التاريخية ؟ ، و هل ما رووه يتفق مع قوانين الطبيعة و العمران ؟ ، و هل ما رووه يتفق مع أخلاقيات النبوة و خصائصها ؟ .
كل هذا الذي ذكرناه- و غيره- استخدمه علماء الحديث في تحقيقهم للأحاديث النبوية ، على مستوى الأسانيد و المتن معا (1) . و هو أمر شرعي بديهي ، طبيعي و عقلي لا مطعن فيه ، يُثبت قطعا بأن انتقادات الجابري للمحدثين في منهجهم النقدي -التي سبق ذكرها- كانت خاطئة في الغالب الأعم .
و الموقف السادس يتعلق بتعجب الجابري و استغرابه من ظاهرة الأحاديث و موقفه منها ، فهناك أحاديث تُنسب لأساطين الصحابة كعائشة ، و ابن عمر ، و أبي هريرة - رضي الله عنهم- ؛ و هناك أحاديث أخرى تناقضها ، تُنسب إلى نفس هؤلاء الصحابة ، و هي أحاديث مذكورة في كتب أهل السنة المعتمدة ، كالتي تمدح معاوية ، و أخرى تذمه . و علاج هذه الوضعية عنده لا تتم (( بواسطة المرويات و الأخبار ، لأن أي شيء يُروى كان يُحارب برواية مناقضة ، و بالرجوع إلي نفس السند . إن الحل الوحيد في مثل هذه الحالة هو الاحتكام إلى العقل و المنطق وحدهما ) ) (2) .
(1) سبق أن ذكرنا بعض ذلك و توثيقه . و للتوسع أنظر: المنار المنيف لابن قيم الجوزية ، و كتابنا: أخطاء ابن خلدون في كتابه المقدمة .
(2) بنية العقل العربي ، ص: 255 ، 256 .