فهرس الكتاب

الصفحة 69 من 613

و آخرها - أي الخطأ الثالث- إنه-أي الجابري- أصدر حكما عاما يقول: إنه لم يكن للمؤرخين قبل ابن خلدون ممارسة عقلية في النقد التاريخي . و هذا قول غير صحيح على إطلاقه ، لأنه إذا كان يصدق على طائفة من المؤرخين كالطبري ، و ابن سعد ، و اليعقوبي ، فإنه لا يصدق على كل المؤرخين ، فقد وُجدت طائفة أخرى هي من كبار المؤرخين و النقاد ، كانت على دراية بمنهج النقد التاريخي ، و مارسته إسناد و متنا قبل ابن خلدون ، لكنها لم تتوسع فيه كثيرا ، و بعضهم توسع فيه أكثر من بعض ، منهم: الخطيب البغدادي (ت463ه) ، و ابن الجوزي (ت597ه) ، و الشيخ ابن تيمية (1) (728ه) ، و الذهبي (ت 748ه) ، و ابن قيم الجوزية (2) (ت 751ه) ، و ابن كثير (ت774ه) . و يُعد الذهبي أكثر هؤلاء توسعا في نقد الروايات التاريخية ، فطبق عليها منهج النقد الحديثي في كتابه سيّر أعلام النبلاء ، و توسع فيه توسعا كبيرا ، إسنادا و متنا . و الشواهد على ما ذكرناه كثيرة جدا ، أذكر منها خمسة (3) ، أولها هي رواية نقدها الخطيب البغدادي مفادها أنه عندما ادعى اليهود ببغداد ( سنة 447ه) أن معهم كتابا من الرسول-صلى الله عليه وسلم-فيه أمر بإسقاط الجزية عن يهود خيبر ، بشهادة بعض الصحابة ؛ ثم حملوه إلى الوزير العباسي أبي القاسم علي (ت463 ه/1070م، فسلمه هو بدوره إلى الخطيب البغدادي فتأمله و قال: هذا مزوّر ، لأن فيه شهادة معاوية بن أبي سفيان(ت60 ه ) و هو لم

(1) يُعد ابن تيمية من المؤرخين للفكر الإسلامي ، كما له كتب تهتم ببعض الحوادث التاريخي، منها: كتاب رأس الحسين ، و هو منشور و متداول بين أهل العلم ، و متوفر في شبكة الأنترنت بالمجان .

(2) يُعد هو أيضا من النقاد المؤرخين ، و قد كتب في السيرة النبوية ، تاريخ الفكر الإسلامي ، في كتابيه: زاد المعاد ، و الصواعق المرسلة على الجهمية و المعطلة .

(3) ذكرت منها نماذج كثيرة في كتابنا: أخطاء المؤرخ ابن خلدون في كتابه المقدمة .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت