و قوله هذا يتضمن ثلاثة أخطاء ، أولها إنه قال إن المؤرخين- و قد سماهم البيان التاريخي- اعتمدوا على النقل في جمع المادة التاريخية و تحقيقها جرحا و تعديلا ، و هذا غير صحيح ، لأنه لا يُوجد-حسب علمي- في كتب التاريخ المًسندة ، مؤرخ حقق أسانيد تاريخه ، فالذين كتبوا تواريخهم بالأسانيد كخليفة خياط في تاريخه ، و ابن سعد في طبقاته ،و البخاري في تاريخه و الطبري في تاريخه ، و الخطيب البغدادي في تاريخ بغداد ، و ابن عساكر في تاريخ دمشق ، هؤلاء كلهم دونوا تواريخهم بالأسانيد دون أن يحققوها في الغالب الأعم . فوجود الإسناد لا يعني أن الروايات محققة ، و إنما هو وسيلة للتوثيق من جهة ، و يمكننا من نقد الروايات من أسانيدها من جهة أخرى .
و الخطأ الثاني هو أنه -أي الجابري- ادعى أن مؤلفات المؤرخين قبل ابن خلدون لم يكن فيها مجال للممارسة العقلية في التدوين التاريخي . و هذا قول غير صحيح من وجهين ، الأول إننا إذا أخذنا بما قاله الجابري من أن المؤرخين قبل ابن خلدون حققوا أسانيد الروايات جرحا و تعديلا ، فهذا يتضمن حتما ممارسة للنقد التاريخي العقلي ، لأن نقد الإسناد يقوم على أسس منطقية ، و ممارسته يستلزم ممارسة عقلية عميقة ، كما سبق أن بيناه فيما تقدم .
و الوجه الثاني هو أنه إذا أخذنا بما ذكرناه من أنه لا توجد كتب تاريخية مسندة مُحققة أسانيدها ، فإنه وُجدت طائفة من كبار المؤرخين المسلمين كالذهبي ، و ابن كثير ، مارست نقد كثير من الروايات التي ذكرتها مُسندة (1) ، في كتبها غير المسندة في الغالب الأعم ؛ و بما أنها مارست نقد الأسانيد ، فإن عملها هو ممارسة نقدية عقلية بالضرورة .
(1) للتوسع في ذلك راجع كتابنا: أخطاء ابن خلدون في كتابه المقدمة . و سنذكر بعضها قريبا .