كما أن قوله بأن عمل المؤرخ مثل جامع الحديث في ضبط الإسناد و ممارسة الجرح و التعديل ، فهو عمل لم يُمارسه المؤرخون المسلمون ، لأن كثيرا منهم كتبوا تواريخهم بلا إسناد-في الغالب الأعم- ، كالمسعودي ، و اليعقوبي ، و ابن الأثير ، و ابن الجوزي ، و الذهبي ، و ابن العماد الحنبلي ، و غيرهم . و الذين دونوا تواريخهم بالأسانيد ، فإنهم لم يضبطوا أسانيدها ، و لم يُحققوها جرحا و لا تعديلا ، كتاريخ الطبري مثلا ، فهو تاريخ مُسند لكن أسانيده غير محققة ، و كثير منها مملوء بالضعفاء و الكذابين ، مع كثرة الانقطاعات (1) .
و لا يُوجد في التاريخ الإسلامي-حسب علمي- كتاب تاريخي مُسند مُحققة أسانيده ، و لا متونه. فأين هؤلاء المؤرخون الذين اتبعوا منهج رجال الحديث في الجرح و التعديل ، عندما صنفوا تواريخهم ، على ما ادعاه الجابري ؟ . علما بأن منهج نقد الخبر عند المحدثين ، لا يقوم على نقد الأسانيد فقط ، كما زعم ذلك الجابري مرارا و تكرارا . و إنما هو منهج أقاموه على أساس نقد الأسانيد و المتون معا ، و قد بينا ذلك سابقا .
و أما الموضوع الثالث -من أخطاء الجابري في منهج النقد التاريخي- فيتعلق بمنهج النقد التاريخي عند ابن خلدون ، و سنتناوله عرضا و نقدا فيما يأتي:
أولا إنه -أي الجابري- قال: إن المؤرخين - البيان التاريخي- قبل ابن خلدون اعتمدوا كليا على النقل ، في جمع المادة و تحقيقها من حيث صدق رواتها ، فلم يكن هناك مجال للممارسة العقلية قبله (2) .
(1) سنذكر نماذج كثيرة منها ، في الفصل الرابع ، إن شاء الله تعالى .
(2) بنية العقل العربي ، ص: 549 .