فهرس الكتاب

الصفحة 14 من 83

والراهب في الصوامع والأديرة والسائح في الجبال الذي لا يخالط الناس وغيرهم ممن كان على شاكلتهم أي أن كل من لا يصلح للقتال أو ليس من أهل القتال فلا يحل قتله عنده إلا إذا قاتل حقيقة أو معنىً.

وقد ذهب الإمام الشوكاني - رحمه الله تعالى - إلى الرأي القائل بالكف عن الرهبان وأصحاب الصوامع قياسًا على الصبيان والنساء بحكم العلة الجامعة في كونهم ليسوا من أهل الحرب والقتال فقال معلقًا على حديث (ابن عباسٍ رضي الله عنهما قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا بعث جُيوشه قال:"اخرجوا باسم الله تعالى، تقاتلون في سبيل الله من كفر بالله، لا تغدورا، ولا تغُلُّوا، ولا تٌمثِّلُوا ولا تقتلوا الولدان، ولا أصحاب الصوامع") .

وقد علّق الشوكاني على هذا الحديث فقال: (قوله:"ولا أصحاب الصوامع"، فيه دليل على أنه لا يجوز قتل من كان متخليًا للعبادة من الكفار، كالرهبان لإعراضه عن ضُرِّ المسلمين. والحديث وإن كان فيه المقال المتقدم - أي في سنده عن شيخ مدني لم يسم وقد سماه بعضهم فذكر أنه إبراهيم بن إسماعيل ابن أبي حبيبة [[1] ]- وهو ضعيف ووثقه الإمام أحمد - لكنه معتَضدٌ بالقياس على الصبيان والنساء بجامع عدم النفع والضرر، وهو المناط ولهذا لم ينكر صلى الله عليه وسلم على قاتل المرأة التي أرادت قتله ... ويُقاس على المنصوص عليهم بذلك الجامع من كان مقعدًا أو أعمى أو نحوهما ممن لا يرجى نفعه ولا ضره [[2] ]على الدوام.") . (نيل الأوطار، 4/ 8 / 74) "

فالشوكاني - رحمه الله تعالى - يرى أنّ علة النهي عن قتل نساء الكفار وولدانهم أنهم لا يقاتلون، إذًا فكل من لا يقاتل حقيقةً أو معنىً يقاس بالنساء والصبيان عنده وإن كانوا في صفوف الكفار المحاربين أو كانوا معهم أثناء القتال والحرب مشتعلة. فضابط هذه المسألة عنده أنّ (من لا يرجى نفعه ولا ضره على الدوام) لا يقاتل إلاّ إن قاتل حقيقةً أو معنىً، هذا هو المفهوم من كلامه.

ولابن حزم - رحمه الله تعالى - رأي في هذه المسألة فهو يرى أنه لا يحل قتل نساء الكفار وصبيانهم، وأما من عداهم فجائز قتلهم من مقاتل أو غير مقاتل، فيقول في المحلى (5/ 347 - 351) : (ولا يحل قتل نسائهم ولا قتل من لم يبلغ منهم، إلا أن يقاتل أحدٌ ممن ذكرنا فلا يكون للمسلم منجىً منه إلاّ بقتله فله قتله حينئذ ... إلى أن قال: وجائز قتل كل من عدا من ذكرنا من المشركين من مقاتل، أو غير مقاتل، أو تاجر، أو أجير - وهو العسيف - أو شيخ كبير كان ذا رأي، أو لم يكن، أو فلاح، أو أسقف، أو قسيس، أو راهب، أو أعمى، أو مقعد لا تحاش أحدًا. وجائز استبقاؤهم أيضًا. قال الله تعالى:(فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم وخذوهم واحصروهم واقعدوا لهم كل مرصد فإن تابوا وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة فخلو سبيلهم) [التوبة: 5] ، فعمَّ عزّ وجلّ كل مشرك بالقتل إلاّ أن يسلم ... (، ثم رد كل آراء الفقهاء المخالفة له في هذه المسألة إلى أن قال:(وقولهم إنما نقتل من قاتل، فباطل؛ بل نقتل كل من يدعى إلى الإسلام منهم حتى يؤمن أو يؤدي الجزية إن كان كتابيًا كما أمر الله تعالى في القرآن ... ) ، ثم قال: وروينا من طريق وكيع نا سفيان نا عبد الملك بن عمير القرظي ناعطية القرظي قال:"عرضت يوم قريظة على رسول الله صلى الله عليه وسلم فكان من أنبت قتل، ومن لم ينبت خلى سبيله، فكنت ممن لم ينبت". فهذا عموم من النبي صلى الله عليه وسلم لم يستبق منهم عسيفًا ولا تاجرًا ولا فلاحًا ولا شيخًا

(1) بين الشرطتين إيضاح منى

(2) في الأصل (ضيره) والصواب ما أثبتناه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت