فصل
في الحالات التي يجوز فيها استباحة دماء نساء الكفار
وصبيانهم ومن ليس من المقاتلة منهم
وبعد هذا البيان هل هناك حالات يجوز فيها قتل نساء الكفار وصبيانهم ومن ليس من المقاتلة منهم كالمدنيين مثلًا؟
فالجواب: أن الشريعة الإسلامية قد ذكرت بعض الحالات التي يجوز فيها قتل نساء الكفار وأطفالهم وأنَّ عصمة دمائهم وأموالهم وأعراضهم ليست على الإطلاق، بل إن هناك حالات يجوز فيها قتلهم قصدًا أو تبعًا لآبائهم ومن هذه الحالات:
الأولى: معاقبتهم بالمثل، وذلك بأن يعاقبوا بمثل ما يعاقبون به المسلمين ومن المعلوم أنَّ الكفار يستهدفون المسلمين بالقتل والتشريد، بل ويقومون بحملات الإبادة الجماعية عليهم، كما هو حاصل في الشيشان وداغستان والبوسنة والهرسك وفي كوسوفا وفلسطين وغيرها من بلاد المسلمين والتي تشهد حملات الاعتداء اليهودي والصليبي، وتستهدف أبناء المسلمين الأبرياء من الشيوخ والأطفال والنساء والرجال الآمنين، وضحايا المسلمين في العراق وفلسطين والفلبين وكشمير والهند والصومال وكوسوفا والبوسنة والهرسك جلهم من المدنيين: فمن حق المسلمين - شرعًا - أن يعاقبوا الكفار بمثل ما عاقبوهم به كما قال الله تعالى: (فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم) [البقرة: 194] ، وقال تعالى: (وإن عاقبتم فعاقبوا بمثل ما عوقبتم به ولئن صبرتم لهو خير للصابرين) [النمل: 126] ، وهاتان الآيتان وإن كانتا في حق كفار قريش، فإنَّ العبرة في عموم لفظهما لا بخصوص سببهما كما هو معلوم. والدليل على معاملة الكفار بالمثل والمماثلة في القصاص وأن القاتل يقتل بما قتل به ما رواه البخاري في صحيحه (الفتح 12 / ح 6877 / ص200 ("باب إذا قتل بحجر أو بعصا"عن هشام بن زيد بن أنس عن جده أنس بن مالك قال: خرجَتْ جاريةٌ عليها أوضاحٌ بالمدينة، قال: فرماها يهودي بحجر، قال: فجيء بها إلى النبي صلى الله عليه وسلم وبها رمق، فقال لها رسول الله صلى الله عليه وسلم:(( فلانٌ قتلك؟ ) )فخفضت رأسها. فدعا به رسول الله صلى الله عليه وسلم فقتله بين الحجرين. ورواه أيضًا في باب من أقاد بالحجر برقم (6879) ولفظه: فجيء بها إلى النبي صلى الله عليه وسلم وبها رمق فقال: (( أقتلك فلانٌ؟ ) )فأشارت برأسها أن لا، ثم قال الثانية فأشارت برأسها أن لا، ثم سألها الثالثة فأشارت برأسها أن نعم، فقتله النبي صلى الله عليه وسلم بحجرين. وإيراد البخاري - رحمه الله تعالى - لهذا الحديث يشير إلى ترجيحه لقول الجمهور في أن القاتل يقتل بما قتل به، وهذا الحديث والآيتان قبلهما حجة للجمهور.
قال الإمام القرطبي في (الجامع لأحكام القرآن، 1/ 2 / 239 - 240) : ( ... لا خلاف بين العلماء أنّ هذه الآية أصل في المماثلة في القصاص، فمن قتل بشيء قُتِل بمثل ما قَتل به، وهو قول الجمهور، ما لم يقتله بفسق كاللُّوطية وإسقاء الخمر فيقتل بالسيف. وللشافعية قول: إنه يُقتَل بذلك؛ فيتخذ عود على تلك الصفة ويُطعن به في دبره حتى يموت، ويسقى عن الخمر ماء حتى يموت. وقال ابن الماجشون: إنّ من قتل بالنار أو بالسُمِّ لا يقتل به، لقول النبي صلى الله عليه وسلم:(( لا يعذِّب بالنار إلا الله، والسُّمُّ نار باطنه ) ). وذهب الجمهور إلى أنه يقتل بذلك لعموم الآية. ثم قال: ... وأما القود بالعصا فقال مالك في